د/محمد سبيل يكتب : السودان يعوزه حزب اشتراكي عريض القاعدة

السودان يعوزه حزب اشتراكي عريض القاعدة

د. محمد عبد القادر سبيل

هذا وطن البؤساء بامتياز. فلقد بلغ فيه سيل العوز الزبى، ومع ذلك فلا أحد يمثل سواد الشعب الأعظم وينطق بلسانه ويشكل قاعدة واسعة فيه إلا الأحزاب ذات الطابع الديني وذلك بسبب هوية المجتمع الراسخة، غيرها كيانات محدودة القاعدة. هي في الحقيقة مخلصة لرفاهية احلامها الآيدولوجية اكثر من اخلاصها في منازلة الشظف بواقعية وتناغم فكري ونفسي مع المجتمع، حيث إن مكنون الواقع هو الذي ينتج الوعي.
لذلك فثمة قاعدة عريضة من الفقراء جاهزة للانفعال السياسي ولكنها بلا قيادة تشبهها وتعبر عن طواياها الاعتقادية واشواقها السياسية في الوقت ذاته. والسبب هو الجفاء العلماني إزاء الدين والوقوف منه موقف القاضي !!.

وإذا تأملنا تراث الممارسة العملية لأحزابنا، فسنجد أن علاقة الاحزاب اليسارية بتجسيد المبادئ الاشتراكية والاخلاص لها، مثل علاقة الاسلاميين بالاسلام الحق. إنها علاقة نظرية شعارية فقط. تجسدها دعوات موسمية متوارية خلف القيم المادية الرأسمالية والافكار الليبرالية والصراعات على السلطة كغاية حاضرة بقوة دائماً.
هل ترون في المشهد غير ذلك؟
فهذه لعمري طامة كبرى، أسوأ في نظرنا من دخول الاسلاميين السوق وتمكينهم الدنيوي بعد ان ادخلوا الناس في المساجد ومعسكرات الجهاد.

طيف اليساريين السودانيين اليوم ليس سوى جماعات ضغط اعلامي تركز على النقاش حيث انتقاد ولعن وفضح(الكيزان) ومحاربتهم بكل الاسلحة ليل نهار، وهذا كل شيء.
أين ملامح ومبادئ البرنامج الاشتراكي البديل الذي يمكن ان يحل محل هؤلاء الخصوم الملعونين ليل نهار؟. لاشيء يذكر.

ارجو ان يقول احد: هذا هو المشروع الاشتراكي المتكامل مبذول في كل منبر ولكنك وحدك لا تراه. فقد يكون موجوداً فعلاً، الله اعلم، ولكنه محصور كما يبدو في اضيق نطاق ومتكتم عليه ويتم التبشير به (بالقطارة) وفي المناسبات، ربما لأنه مؤجل اصلاً، الى حين اجتثاث شأفة الكيزان جذريا، تلك المهمة المستحيلة التي يتم تأليب الإمبريالية الإقليمية والعالمية لتحقيقها، في مفارقة لافتة تبتذل أهم مبادئ الاشتراكية!!.
فكيف يمكن لشرفاء الاشتراكيين ان يناضلوا بالتحالف مع الرأسماليين خصومهم التاريخيين ضد خصوم مرحليين لا يناقضونهم القيم الاجتماعية أصلاً، كما سنرى تاليا؟

الحقيقة الماثلة هي أن اليساريين السودانيين بوجه عام هم نخبة لا اسلاميين.، أقصى غاياتهم سحق الاسلاميين لكونهم دينيين وبعدها فليكن ما يكون.
طبعاً هذا سيعني فوراً افتقار الظاهرة الاشتراكية الصورية السائدة الى النزعة الانسانية الواسعة _ استبدلت بالنزعة الثأرية الضيقة _ وافتقارها الى الفرادة النظرية السامية في ظل غياب المبادئ الاخلاقية والاهداف النبيلة التي تحكم وتقود حركة المجتمع برمته بإيجابية وتلاحم نحو فضيلة الكفاية والعدل والسلام.

تسعى الاشتراكيات بمختلف مذاهبها في كل مكان إلى تجاوز الحد الادنى من غايتها المتمثل في تقليص الفوارق الكبيرة بين الطبقات الاجتماعية، وتوزيع الثروة بشكل عادل، وضمان تكافؤ الفرص لجميع الأفراد، ولذلك يتعين ان تضع الدولة يدها أولاً على وسائل الانتاج والموارد ولو نسبيا ( في حالة تبني النظام الاقتصادي المختلط) وان تخطط الدولة لتحقيق رؤية توزيع الدخل القومي والتنمية الشاملة على نحو عادل .
ولكن ما رأته العين من اشتراكيين (مفترضين) تولوا السلطة عقب ثورة ديسمبر المجيدة امثال حمدوك ومستشاريه المتعاقبين انهم كانوا رأسماليين اكثر من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي تماهوا معه ناهيك عن الغزل والتناغم مع اطغى طغاة الامبريالية الرأسمالية الحديثة وهو الرئيس ترمب الذي قدموا له قرابين من دم المعاشيين السودانيين لكي يلين قلبه ويرضى فيحبهم ويقدم لهم مساعدات للفقراء( تخيل).

على ان من اعجب ما فعله اليساريون الديسمبريون ان تغافلوا عمدا عن تفكيك سياسة التحرير الاقتصادي ضمن خطوات لجنة تفكيك نظام الانقاذ، مع ان هذه تعد من ابرز مفاصل الفساد واستشراء الراسمالية الطفيلية.
ترى هل يمكن ان تكون اشتراكيا ومع ذلك تبصم بالعشرة على سياسة خصخصة مؤسسات الدولة الاقتصادية؟.

لدينا اغرب اشتراكيين في العالم يتناغمون مع توحش الرأسمالية وفسادها بقدرما لدينا اغرب اسلاميين لا يدفعون فاتورة كهرباء للمساجد.
إذاً فالعبرة ليست بالنظريات والعقائد الآيدولوجية، وانما العلة فينا نحن السودانيين. ولا ادري ماهي بالضبط هذه العلة المشتركة. هل البداوة؟
لقد تحولت الاشتراكية النبيلة عند اشتراكيينا من انهمام بحقوق الفقراء والمضطهدين الى مجرد سخط مزمن وتنابذ بالالقاب وفضح للعيوب الشخصية واستعداد للعمالة هدفها جميعا استئصال الاحزاب الدينية وكفى.
من اين اتينا بفكرة ان الصراع السياسي هكذا؟ او ان المنحط تواجهه بانحطاط اشد؟ أو أن الاشتراكية يجب ان تكون ضد الدين ودعاته؟
العالم كله لديه اليوم احزاب ديمقراطية محترمة فازت في الانتخابات مع انها تجمع بين الدين والاشتراكية. ولعل هذه تكون رسالة درس موجهة للاسلاميين والاشتراكيين السودانيين معاً.
فهنالك مثلاً الحزب المسيحي الاجتماعي في سويسرا. المسيحيون الاجتماعيون في ايطاليا. المسيحيون الاشتراكيون في اوكرانيا. وحزب التضامن الامريكي وفي امريكا الجنوبية الكثير ولم يقل احد هناك يجب منع الاحزاب الدينية.
فما بالنا نحن؟
لماذا لا ينشأ حزب في السودان يجمع بين الاسلام والاشتراكية على أسس ديمقراطية؟ .

إن قيم الاسلام أقرب الى الاشتراكية العادلة من الانتهازية الرأسمالية. فالإسلام دين الجماعة والرأسمالية فردانية. والاسلام مبدؤه العدل والاخوة وهدفه المساواة ابتغاء رحمة الله ووسيلته الانفاق على المساكين، بينما الرأسمالية مبدؤها الحرية والاستئثار بالفرص، ووسيلتها الانتهازية والاستغلال، وغايتها تعظيم الربح. فكيف لا تجتمع الاشتراكية بالاسلام والمسجد هو أبلغ واجدر مؤسسة اشتراكية على وجه الارض؟ اللهم إلا إذا كان يساريونا معنيبن بعلمانيتهم المادية اكثر من مصلحة فقرائهم المؤمنين. وكان اسلاميونا يخشون من مقاسمة اللقمة مع فقراء المسلمين، متعللين بأن الاسلام يبيح الملكية الفردية وبالتالي فقد اختاروا ان يتجاوزوا نموذج رسول الله وعمر وعلي ابي ذر واختاروا نموذج بني أمية، والراسمالية الطفيلية الحديثة، وفي هذه الحالة كيف يترك لهم ارث الاسلام العظيم.
صدقوني..
نحن في وطن يحتاج فعلاً الآن الى تطبيق مبادئ الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وسيطرة الدولة على اهم الموارد لإحقاق الحق ونصرة المستضعفين والمهمشين. كيف لا وقد بات من يرزحون تحت خط الفقر المدقع ( دولار واحد في اليوم) يعادلون حوالى 80% من جملة الشعب. والذين لا يحصلون على علاج مجاني وتعليم مجاني وسكن مجاني هم جل الشعب.
فكيف لا تكون الاشتراكية ضرورة بل فريضة غائبة؟.
الله غالب على امره.

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي