د/محمد سبيل يكتب : الضرورة تقتضي تاميم شركات الذهب

الضرورة تقتضي تأميم شركات الذهب

د. محمد عبد القادر سبيل

لا حكم ناجع، في مجتمع سائب يضرب الفساد والطمع في سوحه أطناباً، إلا إذا توفرت له أنياب، بارزة للعيان، تردع وتزع ما لا يزع الحق بالقرآن.
هذا ليس رأياً أرتأيه، وإنما هو إلتفات مخلص إلى التاريخ وسنن الله في خلقه، بتمعن وأمانة.

مأساتنا التي حيرت العالم تتمثل في تحول ثروة الذهب من نعمة إلى نقمة، بسبب مهربيه وتجاره المضاربين بريعه الدولاري في السوق الأسود جشعاً واستهتاراً ..

ولكن الآن جاءتكم البشري من تلقاء ذاتهم، حيث إن طمع شركات التعدين أوصلها حد اشتراط تحديد اسعار المعدن النفيس محليا بما تهواه انفسهم، ولم تكتفِ باختراط دولار الصادر الناجم عن ثروة الشعب التي استأثروا بها، بل يريدون كل شيء. حتى السعر المحلي لما تشتريه الدولة او غيرها منهم، يريدونه بشروطهم هم وكأنما ورثوه مؤثلاً.
فلقد هدد اتحاد شركات التعدين حسبما نقلت منصات الاعلام بوقف إنتاج الذهب اعتباراً من غرة أكتوبر المقبل، احتجاجاً على آلية شراء وتسعير الذهب التي يطبّقها بنك السودان المركزي، محذرا من أن استمرارها يهدد قدرة الشركات على مواصلة الإنتاج والوفاء بالتزاماتها المالية والتشغيلية.
اتراهم لا يعلمون أم يظنون أن الناس لا يعلمون ما يلي:
١. الذهب ثروة الشعب كله. بل وثروة الاجيال المقبلة أيضا ولا يجوز أن يستنزف بهذه المجانية، ولكننا ابتلينا دائما بأولياء امور لا يقيمون لمثل هذه التقديرات حسابا ( الاستدامة).
2. لا توجد دولة حازمة تسمح للمواطنين بأن يحفروا الارض في كل فج ويستخرجوا أياً من المعادن النفيسة، بغرض استعجال الثراء إلا عندنا. انظر الى دول الخليج جميعا ومصر وشمال افريقيا اين تجد مثل هذه الفوضي العارمة والمضرة بالبيئة وبالاقتصاد؟. هذه ثروات نافدة لا ينبغي أن يستثمرها الا الدولة ولصالح الشعب كله مراعاةً لعدالة توزيع الدخل القومي.
3. إن الذهب في السودان اليوم ينتج من جهتين والدولة تتفرج: إما من جانب الأهالي البسطاء وهؤلاء يجنون أكثر من 70% من الحجم الكلي للانتاج، أو من جانب تلك الشركات التي تحظى بما تبقى. إلا ان اولئك بجاتب تجار آخرين يعمدون الى شراء ذهب البسطاء ويقومون بتصديره أيضا والدولة تتفرج ليحصدوا ما لا يقل عن 10 مليار دولار سنويا والحكومة لا تأخذ منه سوى 10% هي (العوائد الجليلة) من حجم الانتاج الإجمالي وتسدد قيمتها بالجنيه غالبا، في اغرب تصرف حكومي يستحث الارتياب.
كان بوسع الحكومة منذ عهد البشير ان تجعل هذه العوائد الجليلة 50% وتحصل عيناً فقط من جملة الانتاج لتكون القسمة عدلاً: نصفاً للشعب والنصف الثاني للمستثمر، خاصة ان بعض هذه الشركات تعمل لصالح شركاء اجانب وبعضها مملوك لاجانب بالكامل يستأثرون بثروة هؤلاء المساكين الجياع بتواطؤ مع سودانيين لا يهتمون بمثلما نقول.

4. إن الشكوك المتعلقة بتهريب هذا المعدن الغالي في أسواق العالم اليوم، لا يمكن ان تحوم حول بسطاء المعدنين العشوائيين، بل تحوم حول غيرهم من اصحاب رؤوس الاعمال الذين لهم دربة ودراية بشعاب التصدير وبورصات الشراء بالخارج.
5. في ثنايا حديث الرئيس البرهان مع الصحافيين مؤخراً أشار الى مقترح جاد ووجيه، قال إنه طرح عليه من جانب خبراء اقتصاديين ويهدف الى تأميم هذه الشركات المتمردة على القوانين والتي تمادت في طلب التربح والاستئثار بأهم مورد يمكن ان ينقذ الشعب من معاناته، فهي المسؤولة بطريقة ما عن تخريب الاقتصاد لأن منسوبيها هم من يمتلكون الدولار الموازي الذي يضر بإقتصادنا الوطني أكثر مما ينفعه.

عليه فإننا وعلى أثر تهديدهم بالاضراب بعد اسبوع في ظل ظروف الحرب الحرجة الراهنة، نقترح ان نكون منصفين فنصون حقوق شعبنا من الضرر المتأتي من ابتزاز وتصرفات تلك الشركات فيصدر قرار عشية اضرابها المعلن بتخييرهم بين ان يرفعوا العوائد الحليلة الى نصف الانتاج قبل خصم التكاليف وتسدد عينا فقط لا تقداً، أو ان يصار إلى تأميم كل تلك الشركات وتحويل اصولها وانشطتها وريعها لصالح وزارة الماليةمع ايكال مهمة تشغيلها والاشراف عليها الى وزارة الداخلية مع تخصيص ١٠% من ايراداتها لوزارة الداخلية ومؤسساتعا ومرتباتها تشجيعاً لهم على تحسين الاداء وتوفير المعينات وزيادة النزاهة في ادارة هذه الشركات.
على ان تنشأ شركة حكومية تابعة للمالية تتولى شراء جميع الانتاج الاهلي وتصديره للخارج بجانب انتاج الشركات المؤممة.

إن هذه الصيغة ستساعد كثيرا في تخفيف معدلات التهريب وزيادة الايرات الحكومية والاهم من ذلك كله أثرها الإيجابي والملموس على سعر صرف العملات الاجنبية من جراء سحب تلك الموارد من ايدي التجار وطمعهم الذي لا يعرف حدوداً ، وتحويلها الى يد الدولة.
والله الهادي الى سواء السبيل.

ملحوظة:
ليس كل تأميم يعد مجازفة أو خطيئة لها نتائج وخيمة كما قد يتوهم البعض، وإلا فإن مصادرات المحاكم للأصول والاموال في لحظة الحق وعقوبة المخالفات تعد خطأ مضرا.

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي