د/محمد سبيل بكتب: الصحافيون يستحقون حصانة برلمانية

الصحافيون يستحقون حصانة برلمانية

د. محمد عبد القادر سبيل
.
لكي لا يقع الحاكم في ظلم الناس، أو الزلل في الحكم، وينطبع سلطانه بالاستبداد، فإنه يتعين عليه أن يفسح للشورى وأهل الرأى متسعاُ وتقديراً عنده ولو خالفوه الرأي. إذ بفضلهم يستهدي إلى جدد الصواب، والعدل دوماً هو أساس الملك الذي يترك بصمة مشرقة في التاريخ، وفي نهاية الأمر وبعد فحص عقول العاقلين واستثمارها فليعزم على ما اراه الله عز وجل. يقول سبحانه ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران.
هكذا يكون الحكم الرشيد.
أما بعد،،
فإن بلادنا منذ 2019م محكومة بلا مؤسسة تعبر عن صوت الشعب، والبرلمان لا يغني عنه المستشارون لأنهم لا يمثلون مؤسسة مستقلة الإرادة، كما لا يغني عنه مجلس يضم الحكام اجمعين، لأنهم حينئذ يكونون مكان الخصم والحكم، دون فضيلة الاستقلالية والحياد.
ولقد لوحق نفر غير قليل من خيرة كتابنا الصحافيين والصحافيات المحترفين طوال سنوات، فقط بسبب انتقاد اداء رجال نافذين في الدولة.
وبقينا على هذه الحال ثماني سنوات ( تعادل فترتين دستوريتين)، الأمر الذي لم يحدث مثيل له منذ الاستقلال. ولو كان هناك برلمان يعبر عن رأي الشعب ( حتى بالتعيين العادل المتوازن) لكفى الحاكم مؤونات كثر، ولرفع عنه الحرج وخفف عبء الانفراد بثقل اتخاذ القرارات المصيرية وتحمل وزر التشريعات.
من الضروري أن يهتم ولي الأمر بهذا الأمر، لأن حكم الدول خاصة في وطن كوطننا متعدد الثقافات والآراء والامزجة والاحزاب وحتى الطرق والجماعات الدينية، لو انفقت ما في الارض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم.
أما وقد تأخر الأمر لجملة من التعقيدات المفهومة، فعفا الله عما سلف، ولكن فلنمضِ الى ذلك الآن ما استطعنا، لأن فيه الرشاد والسداد ورفع الملامة عن الحاكم.
وريثما تتحقق تلك الفضيلة التي لا مندوحة عنها.. فإنه لحسن الحظ تضطلع الصحافة السودانية والاقلام الجريئة الآن والحمد لله بدور البرلمان الغائب، نقداً واستيضاحاً للوزراء وكبار المسؤولين في الدولة عبر منصات تداول المعلومات والاخبار أو في المؤتمرات الصحفية والمقابلات الشخصية، فضلاً عن محضهم النصح وكشف مظان الفساد، تحصيلاً للمصلحة العامة.
ولذلك فتجب حماية الصحافيين واحترامهم وشكرهم، فما يقومون به ليس سهلا ولا مراءاة، ولا يستطيع ان يضطلع به الا قليل مما حباهم الله الموهبة والقدرة على ذلك. فلننزل الناس منازلهم

ومن هنا اخاطب الزملاء الصحافيين بان الالتزام صار لزاما، فلا هوى نفس او نكاية، وكل مهني محترم ناهض بهموم شعبه وأنه في هذا المنعرج من تاريخ أمتنا يقوم المثقف العضوي فعلاً بدور عضو البرلمان، ممثلاً لصوت الشعب المختنق بالعبرات، ولذلك ينبغي أن تجسدوا القيم النبيلة كما انتم دائما والمسؤوليات الوطنية الجسام التي يواجهها وطننا. ومهما تعرضتم للتضييق والتهديد بالقانون في ظل عدم توفر الحصانة البرلمانية التي لو كنت في مقام مجلس السيادة لمنحتها للصحافيين الشرفاء بمن فيهم المعارضون للحكومة، ما داموا ملتزمين بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها احترام القوات المسلحة وسيادة البلاد، وماداموا يقدمون في افاداتهم ورأيهم بقرائن قوية الدلالة ينهض على قاعدتها النقد أو انهم يستندون على معلومات موثقة.
في وطن يهيمن عليه هذا القدر الرائع من الفساد واستمرائه فلابد للصحافة المسؤولة من دور أكبر، ولتتمكن من ذلك بثقة وأمان فلابد من حماية شرفائها بحصانة قانونية توازي حصانة البرلماني.
ويا للعجب العجاب.. يأتي المتمرد على الدولة بالسلاح اليوم فيوقع اتفاقاً نظنه يوفر له جزافا الثروة والسلطة، ولكننا نكتشف انه يمنحه ما هو اخطر من ذلك، إذ يمنحه حصانة كاملة ينهب بها الشعب والدولة ما يشاء. بينما من بقي طوال عمره يدافع عن كيان الدولة وقوانينها ومؤسساتها الركينة يعاقبه القانون ذاته الذي اخلص له ، وما جريرته إلا أن أشار نحو مواضع الخلل والجرم بقرائن موضوعية كافية؟ هذا لعمري وضع غير عاقل ولا عادل. ويجب تغييره.

شأن الفساد أكثر جدية من يترك لتفريط السياسيين والقانونيين.
والحق لا يأتي قط إلا إذا دعي، فإذا جاء الحق زهق الباطل، والصحفيون الشرفاء هم دعاة الحق والحقيقة، وهم مفاتيح الاصلاح والردع، لا ارى غيرهم لذلك.
والله الهادي الى سواء السبيل

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير إداري ومحلل اقتصادي