حرروا الاقتصاد من براثن (التحرير الاقتصادي)
د. محمد عبد القادر سبيل
سبب الأزمة الإقتصادية المتفاقمة والتي ستوردنا المهالك، حتماً وقريباً، هو ان ثروة البلاد برمتها مختطفة من جانب الرأسمالية الطفيلية، برضا الدولة وتواطئها.
فالدولار وسعره بيد السوق الموازي، وبالتالي فغطاريف التجار هم وحدهم من يحدد معدلات التضخم المروعة الآن، والدولة تنظر الى المال الكثير المهدر نظر السقيم الى عيون العوّد، والسبب في ذلك هو استمرار تطبيق سياسة التحرير الاقتصادي التي رهنت الاستثمارات والتجارة بمصالح وارادة القطاع الخاص، وهكذا فإن موارد البلاد كلها باتت مختطفة واسيرة في قبضة التجار.
والعجيب إزاء هذه المعضلة ان يطرح بعض الخبراء مقترحات انصرافية من قبيل زيادة الانتاج بالتوسع الأفقي أو بمضاعفة الانتاجية productivity عبر تبني حزم التقانة وحسن الادارة.. وهم بذلك يردون الوهن الاقتصادي السائد الى ضعف الانتاج كماً ونوعا، وهذا الرأي غير صحيح إلا نسبيا فقط.
صحيح نسبيا لأن أية تحسن في هذه النواحي المشار إليها يعد مكسبا وزيادة في الناتج المحلي الاجمالي وزيادة في قيمة الصادرات بما يقلل الفجوة في الميزان التجاري.
ولكن المشكلة الاكثر إلحاحاً هي أن إنتاجنا من أهم السلع النقدية (حتى وهي خام) مختطف كلياً من جانب تجار الصادر، ولا تحصل الدولة منه إلا على فتات معظمه ضرائب ورسوم بالعملة المحلية.
خذ مثلا حينما أعلن الرئيس البرهان أن البلاد قد صدرت في السنة الماضية 70 طنا من الذهب ولم يدخل الخزينة منه سوى مليار ونصف المليار دولار مع ان قيمة السبعين طنا في الاسواق العالمية تفوق السبعة مليارات دولار ، فهذا يعني أن بقية انتاجنا من الذهب يذهب الى جيوب تجار وشركات الصادر.
قس على ذلك انتاج البلاد من الثروة الحيوانية ومن الحبوب الزيتية بأنواعها والصمغ العربي والقطن والكركدي والبصل والفواكه والخضروات.
حينما تسمع أن السودان قد صدر الكميات كذا وبالقيمة المليارية كذا فلا تصدق فتفرح. واعلم انهم يتحدثون عن تصدير التجار لجيوبهم. بينما الحكومة لم تحصل لصالح الشعب من هذه المليارات سوى النزر اليسير الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولذلك تظل الحكومة تلهث وتشكو من العوز ويظل الشعب يتضور جوعا طوال عقود ومتى كان التجار يرحمون. الا من رحم ربي.
ثم ليت المشكلة تنتهي الى هنا.
لا بل أن تجار الصادر ينقسمون الى صنفين: فبعضهم يأخذ عوائد الصادر ويختفي ( يهرب بثروة البلاد) والبعض الآخر يعود بالحصائل ولكن يحتفظ بما جناه منها في حساب خاص به، ليس تحت تصرف بنك السودان ولا تقربه حكومة السودان، وهو ينتظر أن يبيعه لتاجر آخر أو أن يستورد به هو ما يشاء باعتبار ان هذا العملة الصعبة ملكه الخاص، وهكذا تتحول حصائل الصادر من خير للبلد الى سلاح مدمر للاقتصاد الوطني حينما يتم المضاربة بها في السوق الاسود فتتآكل لذلك قيمة العملة الوطنية وتضعف القوة الشرائية للجنيه ويتفاقم الغلاء وينتشر الأنين في كل مكان.ولسان خال الدولة ( العين بصيرة واليد قصيرة).
هكذا تتحول مواردنا الضخمة التي تدهش العالم الى أذى و نقمة رغم أنها نعمة.
وبالتالي..
فالأولوية الآن ليست لزيادة الانتاج والانتاجية ولا زيادة القيمة المضافة للسلع، لأن كل ذلك ستذهب عصارته وفوائده الى جيوب التجار الذين الذين يصدرونه لانفسهم ويضاربون بحصائله في السوق الاسود فيرفعون قيمة الدولار ويتسببون في عذاب الشعب وموته سقماً وإملاقاً.
ماهو الحل؟
لكي يذوق هذا الشعب طعم موارده وتنفرج كربته وتتحسن معيشته فلا مناص من ان تحتكر الدولة تصدير السلع النقدية الرئيسية: الذهب والحبوب الزيتية والثروة الحيوانية والصمغ والقطن، لتجني أكثر من 10 مليار دولار سنويا تضعها في خزينتها ومقابل ذلك تستورد الحكومة بنفسها خمس سلع هي: الوقود والدقيق والدواء ومدخلات الانتاج والمستوردات الحكومية. ثم بعد ذلك ومن فائض هذه الايرادات( نتوقع فائضا يناهز 3 مليار دولار سنويا) تقوم الدولة تدريجيا باستثماره في عمليات رفع القيمة المضافة للصادرات، وفي التوسع في احلال الواردات بزيادة انتاج القمح والنفط والزيوت والسكر بما يتجاوز الاكتفاء الذاتي في سلع القمح وكذلك النفط والزيوت والسكر الخ.. وحينئذ نعبر بشرف وننهض بشمم. ويمكن أن يصبح الدولار يومئذ بألف جنيه بعد عام فيه يغاث الناس، وتغدو قطعة الخبز بمائة جنيه. لأن الدولة هي التي تمتلك الدولار وتحدد سعر الجنيه وهي التي تمتلك الدقيق والدواء ومدخلات الانتاج وتسعر قيمتهما.
الخلاصة:
الأولوية الآن ليست لزيادة القيمة المضافة ولا زيادة الانتاجية، بل الاولوية القصوى لتحرير الاقتصاد من اسر سياسة التحرير الافتصادي الذي سبب اختطاف الثروة وهدر الموارد.
والله يهدي الى سواء السبيل
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي
