لأحداث تتلاحق.. تهيأوا لضم بني شنقول
د. محمد عبد القادر سبيل
نفحات التاريخ نادرة كالذهب، وكل مواطن غيور على كل شبر غالٍ من ترابه وتاريخه الاصيل عليه دور وواجب يتعين الاضطلاع به فيما سيرد أدناه…
هذا ليس حلم يقظة، ولا رجماً بالغيب، ولكنه استدعاء لماض تليد واستشراف لسيناريو وارد الحدوث وفق التطورات الجارية في أثيوبيا الآن، فقد يصار قريباً الى اتفاق بين الفرقاء على تقرير مصير الأقاليم المتمردة، في ظل حقيقة لا مراء فيها وهي أن للسودان حقاً تاريخياً ثابتاً يمكن أن نطالب به سلمياً وبالوثائق وفي هذا الوقت المناسب.
لا يوجد من لا يعرف ان (بني شنقول) إقليم سوداني ضارب الجذور متصل بتاريخنا منذ ما قبل السلطنة الزرقاء.
ففي عصر السلطنة ( مملكة سنار 1504_1820م) كان هذا الاقليم مصدرا أساسيا للذهب أهم الثروات إطلاقا. وبسببه هاجر الآلاف من أبناء السودان الى هناك بحثاً عن الفرص والتجارة فجاؤوا من دار جعل والرباطاب والبديرية والدناقلة والشايقية ومناطق العركيين ووسط الجزيرة وبعضهم تزوج من قبائل البرتا والقمز واستوطن في قرى بني شنقول ولم يعد الى أهله (وكان هذا امراً شائعاً في قديم الزمان) الا أن يبعث أهله في أثره يتفقدونه، وهذا بالضبط ما حدث للوطاويط تلك الاثنية الجامعة للفيف من قبائل السودان الثاوية هناك منذ قرون.
هذا الاقليم المتخم بالذهب على تخوم حدود السودان الشرقية الراهنة قبالة اقليم النيل الازرق، مساحته 50 ألف كلم مربع وعاصمته أسوسا، وقبائله سودانية تعيش على طرفي الحدود وعلى جانبي النيل الأزرق.
ذهب بني شنقول شهير ورد ذكره في اغاني التراث ورجاله المحاربون اوفياء في الجيوش وتلك الخصال هي أهم مسوغات غزو محمد علي باشا للسودان عام ١٨٢١م بل ان زيارته شخصياً للسودان كانت محفوزة بالوقوف على واقع الاقليم المهم، فجاء الى هناك واقام في فازوغلي عام 1838م للاشراف بنفسه على خطط وجهود استثمارات الذهب فضلا على الاطلاع المباشر على منحدرات تدفق النيل الازرق العتيد.
وبعد قيام دولة المهدية عام ١٨٨٥م ظل هذا الاقليم جزءاً من السودان رغم ظهور توترات ككل التوترات التي انتشرت في اطراف البلاد اعتراضاً على اسلوب الخليفة عبدالله القمعي.
في تلك الحقبة شهد الإقليم تجربة حكم فريدة هي التي قدمها الشيخ خوجلي ود الحسن حاكم اسوسا في الفترة من ١٨٨٨م الى ١٩٣٨م حيث تزوج ابنة وزيره الفكي سعيد: آمنة، والفكي سعيد هو احد أبرز علماء الاسلام في تلك المنطقة آنئذ، وكانت ابنته فريدة عصرها، صورة وسيرة، فجعلها ملكة ذات نفوذ وعرفت بهذ اللقب بينما زوجها شيخ، آمنة لها شأن وروغيات مآثر في أسرار ادارة الحكم ، ذاع صيتها في الفجاج لحكمتها وكرمها وثرائها وحسن صنائعها فازدهرت الدولة في عصرهما وقويت شوكتها.
ولكن الخليفة التعايشي واجه تمرداً وعصياناً من بعض مشيخات وقبائل بني شنقول حينما غالى في فرض ( الجبرية)، مما دفعه لإرسال قوة عسكرية بقيادة الأمير حسب الرسول لإخضاع المعارضين لقراره ومكثت القوة هناك مدة لتثبيت أركان الدولة المهدية.
وتشير الروايات التاريخية إلى حدوث مواجهات بين استخبارات وجيش الخليفة وبعض زعامات المنطقة مثل المك عبد الرحمن خوجلي المعروف ب( تور القوري)، اعجزت الخليفة في اخريات حياته ودولته نظراً لشراسة مقاتلي بني شنقول الذين في جانب منطقة ( قوبا) حيث تور القوري الشرس وكانت له مهارات ميدانية في القتال.
تزامن كل ذلك مع صراع النفوذ ومحاولة تور القوري اجتياح اسوسا ونزع الحكم من الشيخ خوجلي وزوجته آمنة، إلا ان الأخير استعان بملك الحبشة المجاورة منليك. وكان الخليفة التعايشي قد أوكل مهمة تأديب تور القوري عام ١٨٩٧م الى الملك الاثيوبي مع اقتراب جيش الانجليز الغازي للسودان. فسيطر ملك الحبشة على الاقليم واعتقل تور القوري وطمع من يومها في ضم اقليم بني شنقول اليه.
وفي عام ١٩٠٢م قرر الانجليز رسم الحدود بين دولتهم الجديدة في السودان وبين مملكة اثيوبيا فقامت بريطانيا بالتنازل عن اقليم بني شنقول تحت إلحاح ورجاء منليك، وسمحت بضمه الى الحبشة ورسمت الخرائط على هذا الاساس.
وحينما تسلم الرعيل الاول من قادة السودان السلطة من المستعمر في خمسينات القرن الماضي، وخاصة في مرحلة السودنة، كان لزاماً عليهم المطالبة بالاقليم، فهو جزء من أرض بلادنا تصرف فيه الانجليز بلا وجه حق مجاملة ومصانعة للملك منليك.
الان بات هذا الاقليم السوداني وباستمرار سبب ضرر بالنسبة للسودان، اولاً من خلال الدعم المتكرر للمتمردين الذين يسقطون الكرمك وقيسان كل مرة بدعم اثيوبي، انطلاقا من قواعد داخل اقليم بني شنقول، وأخيرا بالطامة الكبرى التي هي سد النهضة المقام على ارض بني شنقول.
وسد النهضة هذا سلاح قوي وفعال يمكن ان يستخدمه الاثيوبيون لاغراق السودان كله في أية لحظة، فقط بفتح بواباته العملاقة ليجد العالم السودان بما فيه العاصمة خلال ٧٢ ساعة وقد ذاب في لجج الطوفان.
لهذه الدوافع الأمنية المنطقية ولاسترداد الحق التاريخي الموثق… نطالب بتوظيف معطيات الواقع الآن، ليس باجتياح الاقليم عسكريا وضمه الى بقية الوطن كما فعلوا هم بالفشقة يوما، ولكن بمد يد العون لشعبنا السوداني هناك، حتى يقرر مصيره بسلاسة وامان دون وجل ودون محاولات اثيوبية لتغيير الواقع الديمغرافي بغية حسم نتيجة الاستفتاء مسبقا بالغالبية المنتمية الى اثنيات من خارج الاقليم. او ان يكون استرداد الأقليم بالحوار مع أديس لضمان أمنها ، حيث يمكن ان يلعب السودان دور الوسيط لوقف تداعيات الحرب الاهلية الجارية هناك بشراسة اليوم، والسودان قادر على ذلك واثيوبيا تعلم.
عموما فالفرصة الآن مواتية للضغط السلمي المؤثر من اجل تنازل اثيوبيا عن اقليم بني شنقول السوداني الذي مايزال شعبه المسلم يشعر بالانتماء الى هويته وبني جلدته.
زبدة القول..
لا ينبغي ترك شعب بني شنقول يعاني وحده من اجل الانعتاق و الالتحاق بالوطن الام، فثمة مسؤولية وطنية واخلاقية تلزمنا جميعا لمساعدتهم كما تساعد ارتريا التيجراي والصومال اوغادين وكما ساعدت روسيا قومها في جزيرة القرم.
السيناريو المتوقع في اية لحظة ولابد ان نتهيأ له كشعب هو: اتفاق شامل لتقرير المصير بالنسبة لجميع الاقاليم والاقليات الاثيوبية الحدودية مثل اقليم اوقادين الصومالي، واقليم عفر الجيبوتي، واقليم تيجراي الارتري، واقليم بني شنقول السوداني.
بهذا المعنى السلمي والقانوني ندعو الى العمل سريعاً نحو دعم شعب اقليم بني شنقول من جانب الشعب السوداني كله، بمؤسساته المدنية معنويا وماديا واعلاميا وقانونيا، من أجل تحقيق حلمه المشروع بالعودة بسلام وكرامة الى حضن الوطن الأم.
واما مصير سد النهضة فيمكن التفاكر حوله ودياً باتجاه استثماره المشترك.
والله الهادي الى سواء السبيل.
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي
