د/ محمد سبيل يكتب: حكومات قطاع خاص

حكومات قطاع خاص

د. محمد عبد القادر سبيل

حينما تقوم دولة ما بتصدير مابين مائة إلي مائتي طن ذهباً، المعلن رسميا منها ٧٠ طناً بقيمة ٧ مليار دولار سنوياً على أدنى تقدير.
وحينما تكون تلك الدولة ممتلكة في الوقت ذاته لثروة حيوانية تبلغ ١٤٠ مليون رأس من الماشية تسهم بنسبة ٢٠% من إجمالي الناتج المحلي والشعب جائع لا يجد القديد.
وحينما تصدر الدولة انواعاً وأشكالاً من الحبوب الزيتية: السمسم والفول السوداني وزهرة الشمس الخ، بمئات الملايين من الدولارات..
ناهيك عن صادرات الصمغ العربي والقطن والخضروات والفواكه.
بحيث يبلغ مجمل هذه الصادرات ما ينيف على العشرة مليارات دولار سنوياً
ومع ذلك فهي تعجز عن تمويل فاتورة استيراد المواد البترولية لثلاثة اشهر، فلابد من التساؤل: كيف يحدث هذا؟ خاصة وأن مجمل واردات السلع الاستراتيجية لا تتجاوز تكلفتها ٥ مليارات دولار في العام.
الاجابة هي أن هذه الصادرات إنما يقوم بها التجار وحدهم، ولصالحهم، الدولة لا تفعل شيئاً من ذلك، فهي لا تحب الدوشة منذ ١٩٩٢م ارتضت بأن تظل فقيرة هكذا معدمة لا حول لها ولا قوة، الا الفتات الذي تناله من الضرائب والرسوم التي لا تغني من جوع.

إن ما يقوم الوزراء السودانيون من نشاط وتصريحات ينقلها الاعلام وخطط واجتماعات وقومة وقعدة.. كلها زوبعة في فنجان، جهود دائبة هدفها : تسهيل استحواذ التجار على ثروات البلد، بحجة ان الحكومة ليست تاجراً ولا ينبغي لها ولذلك لا تملك استثمارات عامة. واذا امتلكت فهي تفشل في ادارتها ولذلك تكتفي بشرف خدمة مصالح القطاع الخاص، بدل ان تتحرى مصالح الشعب، ما أبرعها وهي تتيح الفرص الشاسعة الواسعة للتجار ليسرحوا ويمرحوا في الموارد. ويتحول الوزير طائعاً إلى مجرد ( مسهل facilitator) لا يدخر جهدا في دعم رجال الاعمال والتقاط الصور التذكارية معهم في احتفالات ثرائهم الفاحش ولاعلان استعداده لتلبية طلباتهم حتى يمتلكوا بقية ثروات السودان ويحددوا بشروطهم الاسعار ويضاربوا في الدولار ويديروا الاقتصاد القومي كما يشاؤون.
لماذا؟
لأنهم مستثمرون ويجب أن نشجعهم.. هكذا ضربة لازب..
لا تقدر حكومات الهنا ان تحمي الجنيه من الانهيار بمثقال ذرة الا بالتذمر والشجب، ولا تقدر ان توفر مرتبات عادلة للموظفين ولا تفكر في إنشاء محطة كبيرة لانتاج ما يكفي من الكهرباء. ولكنها تقدر على تمكين التجار من استغلال كل الموارد.
ورغم هذا نقول عنهم: حكومة الدولة وحراس حقوق الشعب.
الشعب منهم برئ.
هذه كلها حكومات لخدمة التجار وتحقيق مصالحهم..

لا ألوم وزاء حكومة كامل ادريس التي تتباهى بصادرات التجار لجيوبهم فهي (حكومة خيبة الأمل)، ولكنني اطالب بفتح بلاغ بأثر رجعي ضد حكومة حمدوك التي حكمت بارادة الثورة والثوار وقامت بتفكيك نظام ٣٠ يونيو ومع ذلك لم تقم بتفكيم سياسة التحرير الاقتصادي بل كرسته وتركت الثروات التي ذكرناها آنفا نهبا للرأسمالية الطفيلية بل كانت باسم الشعب وثورته تشتري الدولار من السوق الاسود في إهانة بالغة لشرف الدولة وهيبها.
إن تقاعس حكومة حمدوك ان إلغاء سياسة التحرير الاقتصادي جريمة لا تغتفر ويحب ان تحاسب عليها لانها اضاعت فرصة تاريخية لانعتقاق الشعب وثروته من أسر الرأسمالية الطفيلية بل بالعكس وطدت حكومة الثورة هذا الحال الاعوج بأن جذرت تمكين القطاع الخاص وتبنت روشتة صندوق النقد الدولي طلبا للمعونة وتبنت تحقيق مصلحة شركات الجنيد والفاخر الخ. في اغرب سلوك تقوم به حكومة ثورة قادتها ذوو خلفيات اشتراكية.
والانكى وأضل ماصرح به حمدوك ويردده انصاره عن أن شركات الجيش يستحوذ على ٨٢% من موارد البلاد.
هذا كلام اغرب للطفولة والطفيلية منه الى المعرفة والمسؤولية.
لماذا؟
أولا هل المقصود بعبارة (الموارد) الايرادات العامة؟ لأن الموارد resources شيء مختلف وواسع ولا يستطيع الجيش ان يستحوذ على 0.8% منها؟ ثانيا هل شركات الجيش: جياد والاتجهات الاربعة كانت تابعة لوزارة المالية وانتزعها الجيش منها لكي نلومه ام انه اجتهد وابتكرها وصنعها بفكره وعرقه وتريد انت ان تنتزعها منه سهلة سائغة؟ وبأي حق؟
هل طالبت حكومات باكستان وتركيا والصين ومصر الاستيلاء على استثمارات جيوشهم؟ وعجزوا هم عن تفجير مواردهم ام انفعلوا وقاموا ما باطلاق استثماراتهم الضخمة؟ .
ثم تخيل لو ان الجيش لم يستثمر بنفسه وبقي ينتظر حكوماتنا العاجزة لتنفق عليه كما تنفق الآن على الكهرباء والصحة والتعليم فهل كان الجيش سيحقق شيئا من طائراته (صافات) واسلحته ومركباته ودباباته وذخيرته التي يصنعها ويصدرها؟ ثم متى منع الجيش الحكومة من ان تفعل مثله وأكثر، هل منعت الحكومة من احتكار وتصدير السلع النقدية بجانب شركات الجيش أم ان التجار هم من يصدرون الآن ويستأثرون بحصائل الصادر ؟ الرد هو قول انصار حمدوك( لكن ما بخلونا.. لكن سينافسوننا) يا اخي قم واعمل. صدر الذهب والحبوب الزيتية والمواشي والصمغ اولاً فالجيش ما منعك، ثم بعد ذلك جادل حول منافستك فتلك مرحلة اعلى تليق بالجادين الذين يعملون لتقوية الدولة لا الطفيليين الذين يريدون ان يضعوا يدهم مجانا على شركات الجيش الجاهزة والناجحة فيفشلوها بضعف كوادرهم. تلك كانت دعاوى (حكومة خيبة الثورة).
والله يهدي الى سواء السبيل

ملحوظة:
حينما يتنازل بنك السودان عن وظيفة تحديد سعر الصرف، وعن مهمة شراء الذهب للاحتفاظ به كاحتياطي يقوية مركزه، ويتنازل عن مهمة المقاصة وادارة التحويلات بين البنوك، وعن مهمة طباعة العملة، وعن مهمة توفير العملة الصعبة لتغطية واردات السلع الاستراتيجية فإن هذا دليل قاطع على ان مهام الحكومة قد سلمت للقطاع الخاص.. (صرة في خيط) فالقطاع الخاص هو الذي يحكم وبتحكم.

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي