الأتفاق مع ارامكو سيجدي بشرط واحد
د. محمد عبد القادر سبيل
التهاني القلبية الصادقة. الدولة بدأت تستعيد دورها المفقود طوال عقود. فقد تقرر إحياء المؤسسة العامة للنفط لتدير شؤون البترول ومشتقاته انتاجاً واستيراداً وتوزيعا. بل وتقرر إنشاء مجلس أعلى للنفط برئاسة البرهان لإعطاء وظيفة المؤسسة قوة وفاعلية.
وتواردت أنباء مهمة أخرى عن اتفاق يوقع بين الحكومة و شركة (أرامكو) السعودية الكبرى، لتأمين إمدادات المواد البترولية بما يغطي حاجة البلاد للوقود في جميع المجالات.
تلك نقلة نوعية كبرى وبشرى اقتصادية سارة بلا شك.
أهمية هذه الخطوة الجريئة تتمثل أولاً في سحب ملف الوقود نهائيا من يد التجار والسماسرة إلى يد الحكومة، مما سيضعف حتماً شوكة الرأسمالية الطفيلية والقطط السمان، وسيعيد الامل وينفخ روح الحياة في وظائف مؤسسات الدولة النائمة طوال ثلاثة عقود عجاف كانت قد رفعت خلالها يدها عن أية استثمارات عامة استسلاما لقدر ( سياسة التحرير الاقتصادي) التي انطلقت عام ١٩٩٢م، الأمر الذي قضى على الاخضر واليابس وسلم مصير الشعب لمن لا يرحم: التجار والسماسرة، حمدا لله على السلامة.
وإذا علمنا أن البلاد تستورد مواد نفطية بما تصل قيمته 2.5 مليار دولار سنويا في ظل توقف الانتاج المحلي وتزايد الحاجة الى الوقود لغرض الحرب، فسندرك أن سوق المضاربات بالعملة الصعبة قد خسر دفعة واحدة هذا المبلغ الضخم الذي كان أهم ما يغذيه ويشعل مضارباته اللعينة حينما كان يجري تمويل واردات الوقود من السوق الاسود. لذلك نتوقع انخفاضا وشيكاً لسعر الدولار بصورة ملموسة.
لقد بات ذلك الواقع السالب جزء من الماضي إن شاء الله تعالى.
ولكن بقدرما اشاع النبأ فينا هذا الامل فإنه قد بث فينا أيضاً الخوف والحذر مما قد يجهض جملة مكتسبات المذكورة، ومصدر الخوف هو أن يتم سداد فواتير الشحنات النفطية المستوردة عن طريق تصرفات البنوك و من السوق الأسود مباشرة.
فلو حدث ذلك فكأننا يا بدر لا رحنا ولا جئنا. لان الطلب الضخم على الدولار في السوق سيظل كما هو.
أس البلاء دائما وسبب ارتفاع سعر الدولار هو توفير تمويل المستوردات الاستراتيجية من السوق الموازي.
والمستوردات الاستراتيجية تشمل بجانب المواد البترولية: دقيق القمح والادوية( البشرية والبيطرية) ومدخلات الانتاج.
فميزة هذه السلع أنها تعد الأعلى أهمية وتكلفة وتاثيراً على وجوه الانتاج والاستهلاك معاً وهي الاكثر امتصاصاً للدولار من اجل استيرادها.
ولذلك نقول : إنه لا جدوى من اي اتفاق لادارة ملف استيراد المواد البترولية الا إذا تم توفير قيمة فاتورة هذا الاستيراد بعيدا عن السوق الموازي.
الخبر المنشور بخصوص هذا الاتفاق مع شركة ارامكو، لم يكشف الغطاء عن طريقة السداد الا أننا من باب حسن الظن والتمني نرجو ان يكون السداد الممرحل عن طريق:
سبائك ذهبية يتم شراؤها من مواقع الانتاج بواسطة بنك السودان أو وزارة المعادن.
أو مقابل امتيازات استثمارية نفطية مميزة تمنح للشركة السعودية في اكار اتفاق اوسع. او أية صيغة سداد اخرى غير محفزة للطلب الاسود على الدولار.
عمونا، فهذه الخطوة شجاعة ونحسبها في الاتجاه السليم نحو المعافاة الاقتصادية ولكننا نشحذ الهمم نحو اتخاذ خطوات مماثلة إزاء استيراد: الدقيق والأدوية ومدخلات الانتاج جميعاً عن طريق مؤسسات حكومية، ولكن ذلك يتطلب توفير عملة صعبة كافية ( ٥ مليار دولار سنويا)من جانب الدولة، وهذا متاح من خلال احتكار الشركات الحكومية لصادر الذهب والمواشي والحبوب الزيتية والصمغ العربي والقطن.فإذا سارت الدولة بالجرأة ذاتها واستحوذت على صادرات هذه السلع النقدية فستوفر أكثر مما تتطلبه فواتير هاتيك السلع الاستراتيجية من العملة الاجنبية، وسنعلن حينئذ أننا عبرنا.
والله يهدي إلى سواء السبيل
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير إداري ومحلل اقتصادي
