الدلنج، بداية لسردية جديدة

 

د. قاسم نسيم

ودخل الجيش الدلنج جهارًا، بعد ثلاث سنين حصارًا عاشها أهل الدلنج يأكلون من خشاش الأرض، ويتداوون بالأعشاب ولحا الأشجار والفصد والكي والدعا، فلقد كان الله قريبًا منهم، وكان بعض أهلهم بالحركة الشعبية قد وفروا لهم ملاذات آمنة للخروج منها إلى المناطق المحررة، لكنهم رفضوا تلك المناطق وملاذاتها، وإن أغرتهم بنعمة السلام ووفرة الإغاثة، وآثروا عليها وطأة الحرب حيث يتمجدون، رغم القصف والتدوين والجوع والعطش والموت، لأنهم اختاروا موقفًا قبل أن يختاروا موقفًا، اختاروا موقفًا يرفعهم لا موضعًا يحفظهم، فهذا هو خلقهم لم يجتلبوه ولم يصطنعوه.

الدلنج ليست مدينة عادية، بل هي ورفيقاتها في ولاية جنوب كردفان –جبال النوبة- كانت مصدرًا للمقاتلين الأقوياء الذين خلقوا ليقاتلوا، فكل أمة خلقها الله اختصها بمزية، وهؤلاء مزيتهم فن الفتال جِبِلَّة، تسامع بهم رجال الباشا محمد على حاكم مصر، تسامعوا بقوة شكيمتهم، وطول صبرهم، وقوة أجسادهم التي أكسبتها إياهم سُكنى الجبال، وصنف الطعام، فأشاروا إلى الباشا ليكون منهم جيشه، ذاك الجيش الذي هزم الإمبراطورية العثمانية في معركة قونية (1832) حيث أُسر الصدر الأعظم، ومعركة نصيبين (1839) حيث الهزيمة الحاسمة التي دمرت الجيش العثماني، لو لا تدخل أوربا ومنعهم من السير إلى الاستانة، وهزمهم للدولة الوهابية معروف، كما كان أكثر جنود الأورطة السودانية التي فعلت الأعاجيب في حرب المكسيك منهم، وهذا الكتاب الذي كتبه الأمير عمر طوسون عنهم كتاب في غاية المتعة والتشويق والإثارة، تقرأه فتنتشي وتحس بالفخر والزهو، إنَّه يحدثك بقصص كالأساطير، وثمة كتب أخرى نعود إليها ربما قادمًا توثق لبطولة الجندي السوداني في الحروب الكبرى، ثم أفادت الثورة المهدية من محترفي المقاتلين من النوبة، وكانوا يطلقون عليهم الجهادية السود منذ التركية، تخبرنا كتب التاريخ أنهم كانوا يتقدمون جيوش المهدية في القتال، وهذا لا عجب فيه إذ أنهم أصحاب دربة ويجيدون السلاح الناري، وأكثر انتصارات المهدية كانت بهم، وكان النوبة ممن حارب مع الجيش السوداني في الحرب العالمية الثانية؛ حتى ينجز الإنجليز وعدهم بمنح السودان استقلاله إذا قاتل جيشه معهم، فلهم في جهاد الاستقلال نصيب بائن، ولكن من قبل ذلك فبعد استواء البلاد للاستعمار الإنجليزي إلا من بعض تفلتات صغيرة ظلت جبال النوبة كالمرجل تنتفض وتثور كثورة السلطان عجبنا والأميرة مندي والفكي على الميراوي وكوكو الكباقو وتوتو الأحمر وتيرا الأخضر وكثير من الثورات فاقت الثلاثين ثورة لا تستقر وما انتهت إلا في سنة خمس وأربعين والإنجليز قد أعلنوا الجلاء، والشعب السوداني مظلوم إذ لم يطلع معظمه على صور البطولات هذه؛ لأنه لم ينهض فينا من يكتب ويعكس هذه البطولات، ولقيت بطولات أقل منها زخمًا تملأ الأفق، وهنا لي أن أشكر البروفسور فريق أول جلال تاور كافي إذ أفرد رسالة الدكتوراه التي أنجزها لتلك الثورات، وكانت من خير الدراسات، إذ أرفدها بمراجع أجنبية مهمة من جامعة درم، حيث عكف عليها هناك، فتجلت رسالته مليئة وغنية، وهذه دعوة مني للدولة لطباعتها والإفادة منها في المناهج الدراسية.

بعد الاستقلال كان وجود النوبة واضحًا في الجيش السوداني، فالعسكرية صنعتهم، والقتال مهنتهم. وللنوبة قضية خلقها الإنجليز أبطأت من صيرورتهم في الفسيفساء السوداني لبعض الوقت، في بعض الآونة، ثم طفت الصيرورة تدور بمتواليات متزايدة، وهذا حتم التاريخ، فقد وضع المستعمر النوبة تحت وطأت قانون المناطق المقفولة؛ لينشؤا على ثقافة مختلفة، ورؤى متباية، ونوازع ومواقف نقيضة، فلا تتسرى فيهم ثقافات الشعب السوداني وتمثلاته، ويتأخر أو يمتنع الاندماج القومي، وللأسف فقد مضى آباء الاستقلال في ذات نهجهم، حذو القدم، فأبقوا على ما عرف بالدقنية، وهي ضريبة تؤخذ من أي صبي طرَّ شاربه، أو نبت شعر ذقته، وانظر للكلمة، فإنها مأخوذة من الذقن، أي جرَّ أو جذب الذقن، وهذه أبلغ إهانة ينالها إنسان، وما نزال نتألم ونحن نرى ذاك المقطع الذي جذب فيه المترد شارون لحية أحد الأشياخ المكرمين من أهلنا بالجزيرة فنألم، وجذب الدقن مثل لطم كف الوجه في الإهانة لا ينتقص، وفي التاريخ نسمع مقولة (تنصرت الأعراب من عار لطمة) تلك اللطمة التي وجهها جبلة بن الأيهم، وهو من ملوك الغساسنة، وكان قد أسلم وأتى المدينة، وشهد الحج مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فبينما كان يطوف إذ وطأ إزاره رجل فانحلَّ، فرفع جبلة يده فهشم أنف الرجل، فرأى عمر أن يقتدّ الرجل من جبلة، فاستنكف جبلة، فقال عمر إن الإسلام قد جمع بينكما فلست تفضله إلا بالتقوى، فقال جبلة: سانظر في الأمر، فانصرف من عمر، فلما ادلهم الليل ركب في قومه ومن أطاعه وسافر إلى الشام، والقصة طويلة مثقلة بالتفاصيل، لكنا نجد كفايتنا في هذا الشاهد.

ومحاولة الإنجليز فصم النوبة عن بقية الشعب السودان بابتكارهم لسياسيات المناطق المقفولة، محاولة جاهلة، فقد قطعت الشواهد بتحدر النوبة من الشمال على مراحل، ثم استوائهم بدولة علوة، ثم تراجعهم إلى سهول شمال كردفان، ثم دخولهم الجبال ليس بعيدًا، وكان لهم ثقافات وعادات وتجارب إنسانية من وجودهم بالشمال، فتركوها لمن بقي منهم فانداحت وسط من قدم إلى السودان من بعدهم، ثم أتوا إلى الوسط ففعلوا ما فعلوا وهكذا حتى بلغوا جبالهم هذه، لذا نرى السودانيين شركة في عوائدهم ومواقفهم وتمثلاتهم وأخلاقهم، هذا هو سر هذا التوحد، هو ميراث النوبة الذي تركوه في كل منطقة وطؤوها، فهم الباودر الذي يسم الكل بميسمه، ولم يدرك الإنجليز ذلك فأرادوا فصمهم ونار النوبة قد سرت من قبل في كل شيء، ولم يدرك الوطنيون ذلك أيضًا فادعوا تخالفهم.

بقيت الدقنية عنوان إذلال للنوبة، كالجزية يدفعها المنهزم، حتى قامت طلائع مثقفى النوبة فأسقطوها، وأسقطوا كذلك نواب حزبي الأمة والاتحادي الذين كان يؤتى بهم في انتخابات 1954، و1956 ليفوزوا بتلك الدوائر يمثلون أحزابهم، وقد ناب النوبة عن أنفسهم يعبرون عن آمالهم وآلامهم ومواقفهم وتطلعاتهم، لكن ظلت معاناتهم في ظل حكم آباء الاستقلال حتى اضطروا إلى التمرد التحاقاً بالحركة الشعبية، رغم أنهم خرجوا إليها وفق تفاهمات تقضي أن تكون لهم استقلالية، إلا أن الحركة الشعبية ضربت بتلك التفاهمات الحائط، وصاروا رهائن عندها، وأسكتت الحركة كل معارض لها منهم بكافة السبل، وشكل الجنود النوبة القوة الضاربة للحركة الشعبية، حتى كفلت لهم النصر بنيلهم الاستقلال، ثم نبذتهم يعتصمون بجبالهم، في هدنة طويلة مع الجيش، تبقى الأوضاع المأساوية لأهلنا في المناطق المحررة في سوء بالغ وافتقار إلى التعليم والصحة ومقومات الحياة، وعجلة التقدم تدور في بقة البلاد، هدنة لا تحسم حربًا، ولا تحل أمرًا،حتى عرضت لهم قيادة الدولة عروضًا طيبة ، تقضي بتحالفهم مع الجيش للقضاء على الدعم السريع، وذلك قبل تفجر تمرده، لكن قلة حرص الحلو على مصالح النوبة، جعله يرفض هذا العرض الذي كان سيجعله شريكًا في الدولة الجديدة، ويحجز له موقًعا عاليًا في دست حرب الكرامة، وينعم النوبة بميزات هذه الشراكة، ثم كانت ثالثة الأثافي إذ حالف الحلو حميدتي، وفتح معسكراته وأراضيه لقوات حميدتي يعبثون، ونحن لم تنطفئ ذاكرتنا بعد عن تذكر قتال الحركة لهم ودحرهم في تروجي وجلد، أواخر عهد البشير، بل ما الذى دعا النوبة التى التمرد أصلًا، أوليس مليشيات سيء الذكر اللواء فضل الله برمة ناصر التي اصطنعها خصيصًا ضد النوبة إبان الديمقراطية الثالثة، تلك الديمقراطية التي قتلت النوبة، قواتٌ أُنشئت لتحتل أرضك وتطرد أهلك وتقتلهم كما فعلت لاحقًا في دارفور حيث أهلك الحقيقيين أيها الحلو، فكيف تمتد إليهم يدك لتقاتل القوات المسلحة التي تحتشد بالنوبة سويًا مع بقية القوميات من قاعدتها إلى قمتها.

لقد جنى الحلو تصدعًا وانهيارًا وانفضاضًا حالما صنع هذا التحالف، ونجَّس قضية شعب عادلة من نجسة قاتلين غاصبين، فصرنا نرصد أرتالًا من قوات الجيش الشعبي تنشق عنه وتنضم إلى القوات المسلحة، ورأينا استقالات جمة من ناشطين وسياسيين في الحركة الشعبية احتجاجًا على مواقف الحلو المجنونة، وفي الوقت التي صارت تتلجلج فيه قوات الحركة الشعبية ارفضاضًا من مواقف الحلو، نهضت القوات المسلحة تدخل الدلنج عنوة واقتدارًا، وسط فرحة عارمة ما خلت منها معسكرات الحلو نفسه، نكاية وإن لم تعدُ التبسم والارتياح مخافة كشفهم، فلا قدسية لإنسان، وسوف تنطلق القوات المسلحة تكتسح كل معاقل التمرد حتى تلج كاودا، وبذا يتحمل الحلو ومن زينوا له ضياع كل نضالات النوبة التي أخسرها لهم بتعنته وسوء اختياره، وعجزه عن قراءة الواقع الحادث، فكل النوبة لهم من النضال نصيب، فهم الآن كلهم خصماؤه يودون سهمهم.

السودان يمر بمرحلة جديدة، وتحولات كبرى، لا فجة فيها لظلم، ولا فرصة فيها لانتهاز، ولا كلمة فيها لبندقية، إلا بندقية القوات المسلحة، والفائز من أحسن قراءة الواقع، والخاسر من لم يشفع له عقله قراءتها، كلُّ الأشياء ستتبدل، حتى المفردة السياسية، نحتاج لمفردات جديدة أدنى إلى المعاني الجديدة التي نعيشها، فتلك المفردات القديمة لها إيحاءات سلبية، نريد عهدًا جديدًا، ونصرًا مؤزًا للدلنج، وغدًا كاودا، وهذا هو النضال، نضال التحرير من الارتهان ليوتوبيا استهلكتنا كثيرًا، ثم لم تجدِ.