حين تُحاكَم الصحافة خارج قانونها… من يحمي الحقيقة؟علي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

 

 

 

لم يعد الأمر مجرد بلاغ جنائي عابر ولا إجراء قانوني يمكن وضعه في سياق الخلافات المهنية المعتادة ما جرى مع الصحفية هاجر سليمان في دنقلا يتجاوز حدود القضية الفردية ليمس جوهر العلاقة بين السلطة والحرية وبين القانون والعدالة وبين الدولة والحقيقة أن يُعاد فتح بلاغ تحت مادة (التستر الجنائي) في مواجهة صحفية بسبب تمسكها بحقها في حماية مصادرها فذلك ليس تطبيقًا للقانون بل إعادة تأويل له بما يخدم غاية واحدة وهي كسر إرادة الصحافة والأخطر من ذلك أن يتم هذا الإجراء تحت إشراف مباشر من مسؤول ورد اسمه في كتابات الصحفية نفسها في مشهد يختلط فيه الخاص بالعام والخصومة بالسلطة فيسقط أحد أهم أعمدة العدالة وهي الحياد فالقضية هنا ليست هاجر سليمان كشخص بل كل صحفي يحمل قلمًا وكل مصدر يفكر في كشف معلومة وكل مواطن يؤمن بحقه في المعرفة حين يُطلب من الصحفي أن يكشف مصادره فهو لا يُطلب منه مجرد إفشاء اسم بل يُطلب منه هدم الجسر الوحيد الذي يربط الحقيقة بالجمهور وحين يتحول هذا الرفض المهني إلى (جريمة) فإننا لا نكون أمام انتهاك فردي بل أمام سابقة خطيرة تُعيد تعريف الصحافة نفسها بوصفها نشاطًا محفوفًا بالعقاب فالقوانين يا سادتي لم تُسن لتُستخدم كسلاح بل كضمانة وتنظيم حياة المجتمع اذا سألنا أنفسنا لماذا تُسن القوانين؟ نقول تُسن القوانين أصلًا لتحقيق غايات كبرى وهي حماية الحقوق والحريات فالقانون وُجد ليحمي الإنسان لا ليخيفه ليضمن حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات وحق الدفاع عن النفس

فإذا تحول إلى أداة لتقييد هذه الحقوق فقد انقلب على غايته الأساسية والقانون شرع لتنظيم المجتمع ومنع الفوضى بوضع قواعد واضحة حتى لا يحكم الأقوى أو الأكثر نفوذًا وليفصل بين الحرية والفوضى بين الحق والتعدي بين النقد المشروع والضرر الحقيقي وعندما يُعاد تكييف حق قانوني كحماية المصادر ليُصبح تهمة جنائية فإننا نكون أمام لحظة انحراف تشريعي لا تقل خطورة عن أي انتهاك مباشر للحريات فالقضية لم تعد هل أخطأت الصحفية أم لا ؟ بل أصبحت هل يُسمح للصحافة أن تقوم بدورها أصلًا ؟ والعالم كله عبر تجاربه المريرة استقر على حقيقة واحدة لا صحافة بلا مصادر ولا مصادر بلا حماية ولهذا لم يكن غريبًا أن تُدرج حماية المصادر ضمن صلب حرية التعبير في المواثيق الدولية وأن تتسابق الدول لترسيخها في قوانينها ليس ترفًا بل من باب الضرورة لأن أول ما يُستهدف حين تضيق السلطة بالنقد هو المصدر وأول ما يُكسر حين يُستهدف المصدر هو الحقيقة فإن محاولة إخضاع الصحافة لقوانين جنائية موازية خارج إطار قانونها الطبيعي ليست مجرد خلل قانوني بل مؤشر على أزمة أعمق أزمة ثقة في حرية التعبير وأزمة قبول بدور الصحافة كسلطة رقابية فإما أن تُقبل الصحافة كما هي حرة _ مزعجة _ كاشفة أو يتم السعي لتدجينها عبر أدوات القانون

لذلك نرى أن الوقفة الاحتجاجية المرتقبة للصحفيين ليست مجرد فعل تضامني بل لحظة فاصلة هي اختبار ليس فقط للسلطة العدلية بل للمجتمع كله هل نقبل أن تتحول حماية المصادر إلى تهمة؟ هل نقبل أن يُحاكم الصحفي لأنه مارس حقه؟ وهل نصمت حين يصبح القانون أداة لتصفية الحسابات ؟ فالتاريخ لا يتذكر القضايا الصغيرة لكنه يتذكر اللحظات التي جرى فيها كسر القواعد وهذه واحدة منها فإما أن يُعاد تصحيح المسار ويُوضع كل قانون في مكانه الصحيح وتُحترم الضمانات المهنية أو نكون أمام بداية طريق لا ينتهي إلا بصحافة صامتة… ومجتمع لا يعرف ماذا يجري حوله وفي النهاية السؤال ليس ماذا سيحدث لهاجر سليمان؟ فالسؤال الحقيقي هو ماذا سيحدث للصحافة… إذا صمت الجميع عن ما تتعرض له الصحفية هاجر