كتب خالد تكس  : الصحفيون يطلقون صرخة استغاثة فهل من مجيب ؟

ألقت الحرب أعباء إضافية على كاهل الصحفيين الذين لم يتبق لهم إلا الوقوف على أطلال الوطن وذكريات مؤسساتهم المدمرة، فآثار الحرب شاخصة. وبالتالي، فإن الأوجاع ربما تضاعفها (النوستالجيا)، ولكن لن تعالجها، لذا لابد من التحرك لسد الفراغ وتلافي أوجه القصور الذاتي والموضوعي حتى لا تنطفئ ما تبقى من جذوة قاومت طويلاً في بيئة عمل كثيرة العواصف السياسية التي تعد من أهم عوامل التجريف المعرفي التي لا تقضي على تراكم الخبرات فقط، بل تسهم الآن، مع ضعف وتعثر التجربة وفقر النماذج الإعلامية السابقة التي رزحت تحت سطوة وسيطرة شموليات كرست حالة التوهان المهني كجزء من أدوات الهيمنة على المهنة وتدجينها، مما أدى إلى انعكاسات خطيرة على واقع الإعلام أفرادًا ومؤسسات، على النحو الذي نشاهده الآن.

ومع استمرار فشل الفاعلين السياسيين في إنجاز مشروع النهضة الذي يعتبر الإعلام جزءًا من لوازمه وأعمدته، ارتفعت كلفة الإصلاح ماديًا ومعنويًا. وما إن اندلعت الحرب حتى تكشفت تلكم الاختلالات الخطيرة المغذية لكل أوجه القصور وعدم الجدية الذي أوصل البلاد إلى هذه المرحلة المتأخرة من الفشل.

وجب على الجميع الآن، بدون مكابرة، الوقوف على العوامل والأسباب التي قادت إلى هذه النتائج الكارثية وفضحها بلا مجاملة، لأنه من المستحيل أن تنعم وسائل الإعلام بأجواء ملائمة بدون نظام حكم راشد يتيح ممارسة المهنة بهامش حياد موضوعي وحرية رأي واسعة، اعترافًا بأدوارها الرقابية والتنويرية.

وأزالت قوانين وشروط البقاء المجحفة التي أعاقت تطور المؤسسات الإعلامية، لأنها لم تجد أمامها سوى خيارات الاذعان لحالة الغياب المؤسسي والضعف الهيكلي والسكوت على الاختلالات البنيوية التي تجاوزت حد المعقول، مما انعكس على مجمل المشهد السياسي والاجتماعي الذي بات في أمس الحاجة لإحياء وتمتين الروابط والقواسم المشتركة أمام هذا التحدي الكبير.

ويتطلب الأمر إعادة النظر ومراجعة شاملة لازالة آثار التشوهات والرواسب التي نتجت عن القصور السابق، رغم (المساحيق والفسخ والجلخ) الذي لازم المحتوى مظهرًا ومخبرًا، كاد أن يطمس ملامح الهوية الإعلامية المعبرة عن الجميع في بلد متعدد. ويستلب معايير الجمال ويفرغ الرسالة من القيمة المعرفية، باعتبارها تجسيدًا لحالة الحضور الذهني في الأساس وليس الشكلي.

وبما أن البلاد في ظل هذا التحدي الوجودي تتأهب لإعادة بناء الدولة، يحتم على الجميع الاعتراف بكل تلك الاختلالات. ومع بروز وتصاعد الانقسامات الرأسية والأفقية سياسيًا واجتماعيًا، هل يستطيع الإعلام بشكله الحالي أداء رسالته المطلوبة؟ ومع سرعة وتيرة التحول الرقمي الذي فرض تغيرات جذرية قضت على بنية الإعلام التقليدي، بالتوازي مع تفكيك هيمنة واحتكار رسالة السلطة المركزية النمطية التي بدل أن ترعى الإبداع، ربت الكسل، فعاش ضعاف النفوس وقليلو المواهب تحت ظلال وهم الدولة حتى ظنوا أنها الجنة الأبدية التي لا يدخلها إلا المداومون على التسبيح بالحمد والشكر والتملق دون أدنى شعور بمسؤولية الكلمة وأمانة المهنة. فارتسمت صورة زائفة ومتوهمة خدعت الجميع (ونومتهم على العسل)، وعندما اهتزت تنادوا مصبحين على أطلال وظلال الوهم تحت وقع الصدمة والشعور بفداحة المسؤولية في ظل هذا الواقع المرير الذي يفرض شحذ الهمم، لأن مشاريع النهضة الحقيقية لن تنجح بدون رسالة إعلامية.