أسئلة..وانفجارات عادل الباز البالونية!

كتب الأستاذ عادل الباز، رئيس تحرير جريدة الأحداث، مقالاً مثيرًا تحت عنوان “أسئلة التكوين… وانفجار التاريخ المؤجل”. شابه خلط منهجي بين التحليل والنقد، محتفىً ومنبهرًا بخلاصات السفير عبيد مروح التي وردت في مقال آخر تحت عنوان “زلزال السودان… هل نقترب من تشكيل الكتلة الأكبر”. وبما أنهما ينتميان إلى مدرسة فكرية وسياسية واحدة، تطابقت رؤيتهما لأن منظورهما واحد. والمقال حمل رأيًا سياسيًا وليس حقيقة علمية ملزمة، لذا يحق للآخرين الاختلاف معه، لأنه أورد نقاطًا مثيرة للجدل والمغالطات من حيث التوقيت والدلالة، سيما وأن الكاتب تطرق إلى جوانب وترك أخرى بانتقائية وخلط منهجي يستوجب النقاش في ظل ما تمر به البلاد من أزمات وتحديات.

وفي تقديري، استند إلى ملاحظات انطباعية، ولم يجتهد الكاتب للغوص عميقًا لسبر أغوار الواقع السوداني بتحليل موضوعي يشخص أسباب الأزمة، وربما قصد التماشي مع يوميات السياسة لتسويق أفكاره وقناعاته (ويلحقها سوق المزايدات) في ظل هذا الاستقطاب الحاد، فقرر أن يأخذ طريقًا مختصرًا أبعده عن جادة الحق. وأغفل المقال مناهج وحقائق علمية، متجاوزًا تجاربنا السياسية والنتائج التاريخية ومر عليها مرورًا عابرًا، فصار المقال مناحة أو جلد ذات وعقوبة جماعية أخذت البريء بذنب المسيء، أخذ واثق مقتدر بهذه المحاكمة الجزافية.

وتجاوز كذلك المناهج العلمية التي حددت طريقين لإحداث التغيير الاجتماعي حسب ماركس وإنجلز: التغيير الثوري والتغيير الإصلاحي المتدرج. اللذان نبعت منهما جل أفكار وفلسفات التغيير الاجتماعي، ودارت في فلكهما مدارس ونظريات كثيرة اقتباسًا أو تقليدًا. وبلغ المنهج الأول قمة الفشل في تجربة روسيا وغيرها من النماذج الفاشلة بعد عقود من محاولات التطبيق الثوري، وكانت النتيجة صفرًا كبيرًا، بينما صمدت النماذج التي اعتمدت المنهج الثاني كما في حالة الدول الغربية، لأنها استصحبت البنى الاجتماعية التقليدية بمرونة وموضوعية وصبرت عليها وطورتها في سياقاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بإصلاحات متدرجة. وكذلك فعلت التجربة الصينية التاصيلية التي وضعها ماو تسي تونغ الذي اتهم بتحريف الماركسية.

ورغم أن السودان تعرض لويلات منهج التغيير الثوري، حيث تعاقبت عليه أنظمة شمولية قررت تغيير المجتمع بتأثيرات فوقية مفروضة قسرًا على المجتمع نحو 60 عامًا من أصل 70 هي عمر استقلاله، وحكمت الجبهة الإسلامية بمختلف مسمياتها وتطوراتها وتحوراتها حوالي 40 عامًا في فترة الإنقاذ وجزء من عهد نميري بخطاب فكري وسياسي ثوري ناقد لكل التجربة الحزبية التي طالما وصمت بالتقليدية بدعاوى الحداثة، فلماذا تجاوز الأستاذ هذه التجارب المؤثرة على مجمل السياسات العامة، ملقيًا اللوم على الواقع والاستعمار وشماعة الفشل الجماعي؟ متجاوزًا تلك الآثار والتأثيرات السياسية، ألا يقدح ذلك في صدق وجدية التحليل ويعتبره محاولة فاشلة لمصادمة العلم والمعرفة ومغالطة الواقع؟ إذ يقول بورديو، عالم الاجتماع الفرنسي الذي وضع نظرية الحقل الاجتماعي، أن التغيير هو تفاعل بين الفاعلين ومكنزيمات الحراك الاجتماعي. فكيف تسنى له تجاوز أدوار الفاعلين في مهام التنوير والتغيير بدون إملاءات سياسية أحادية وفي مناخ تسوده الحرية والديمقراطية؟

وبقليل من تحري الدقة، كان الأجدر به أن يحذو حذو الراحل المقيم دكتور منصور خالد الذي انتقد النخب السودانية بمنهج علمي رصين حتى اقترب من مكامن الخلل، أو يدعو إلى مراجعة ونقد التجارب صراحة كما فعل كثيرون.

وغالط المقال حقائق تاريخية معلومة حينما حاول قلب القاعدة التي أجمع عليها العلماء والباحثون بإلغاء اللوم على المستعمر لعدم تركه بنى اجتماعية وسياسية وثقافية صالحة للتعايش… مما يطرح سؤال: هل فعل المستعمر ذلك في دول أخرى؟ بل على العكس من ذلك، يجمع علماء التبعية الذين كتبوا كتبًا ومجلدات حول العراقيل التي وضعها في كل البلدان لتكريس التبعية العمياء وعرقلة التطور. ومع ذلك استطاعت بعض المجتمعات تجاوز تلك العقبات في الهند وإندونيسيا والبرازيل وماليزيا وغيرها. وكان حريًا به أن يخبرنا كيف فعلت ذلك؟ وكيف انصهرت مكوناتها الاجتماعية رغم التعدد والتباين الديني والعرقي والثقافي؟

وتجاوز المقال حقائق تاريخية بإسقاطه سهوًا أو عمدًا أهم فترة أثرت في تكوين وتشكيل السودان بوضعه الراهن في لحظة أبدية حدثت فيها تحولات عميقة حينما تفاعلت المكونات السودانية مع الثورة المهدية، فتوحد الغرب والشرق والشمال والجنوب، وتركت نماذج شاخصة في الجزيرة أبا وسنجة والقضارف وأم درمان تحكي عن نفسها بوجدان وذاكرة مشتركة. ولكن يبدو أنه أراد أن يتفادى الأسباب الحقيقية التي أدت إلى حدوث التعثر وليس النكسة التي تنبأ بها ، فطرح أسئلة بلا حيثيات منطقية أو موضوعية، ومطلقًا بالونات اختبار لإثارة مخاوف الناس على سبيل الدعاية السياسية.

العودة للخلف

تم إرسال رسالتك

تحذير
تحذير
تحذير
تحذير

تحذير.