مشارف الحياة
د. محمد أتيم
تتجاوز الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 كونها مجرد صراع عسكري بين فصيلين مسلحين، لتتحول إلى أزمة عميقة تمزق النسيج الاجتماعي وتصدع البنية السياسية للبلاد. ففي ظل غياب دولة القانون وهيمنة السلاح، يعيش السودان تحولاً جذرياً يعيد تشكيل هويته وعلاقاته الداخلية والخارجية.
ان تفكك النسيج الاجتماعي وتسييس الهوية لقد أدت الحرب إلى تحول النزاع من مواجهة عسكرية تقليدية إلى “حرب مجتمعية شاملة”، حيث اخترقت جميع طبقات المجتمع وأعادت تشكيل العلاقات والولاءات التقليدية والحديثة. أحد أبرز مظاهر هذا التفكك هو تسييس الهوية الإثنية، حيث تحول التنوع الثقافي الذي كان يميز السودان إلى وقود للصراع، خاصة في إقليم دارفور، حيث يُصوّر النزاع أحياناً على أنه صراع وجودي بين مجموعات إثنية مختلفة.
في هذا السياق، برزت “الحواضن الاجتماعية” كعامل حاسم يغذي استمرارية الصراع فهي ليست كيانات سلبية، بل شبكات قبلية وعشائرية واقتصادية وأيديولوجية نشطة توفر التجنيد البشري والدعم اللوجستي، والأهم من ذلك، الشرعية والتبرير الأخلاقي لأعمال العنف.
وقد أدت هذه الديناميكيات إلى انهيار الثقة بين المجموعات السكانية، وتحول الجيران إلى “غرباء متشككين”، مما مزق أواصر القربى والجوار، عسكرة الحياة والسياسة لم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الاجتماعي فحسب، بل امتدت لتشمل عسكرة شاملة للحياة والسياسة في السودان. فقد أعادت الحرب صياغة القاموس اليومي للسودانيين، حيث أصبحت المصطلحات العسكرية جزءاً لا يتجزأ من لغتهم، كما ظهرت ظواهر اجتماعية سلبية مثل “الشفشفة”، وهو مصطلح يشير إلى النهب الممنهج الذي يُستخدم كآلية للعقاب وتكريس الخراب.
حيث أدت الحرب إلى انهيار مسار الانتقال الديمقراطي الهش، وتفجرت التناقضات بين القوى المدنية والمؤسسة العسكرية. و أصبحت السياسة في السودان ساحة يهيمن عليها المسلحون والنخب الانتهازية والأجندات الخارجية، مما أفرغ السياسة المدنية من محتواها.
كما أن انقسام القوى المدنية وفشلها في تقديم جبهة موحدة لوقف الحرب يزيد من تعقيد المشهد ويقلل من فرص الحل السياسي.
ا
ما الاقتصاد السياسي للحرب وتداعياته الإنسانية تُعد الحرب في السودان أيضاً صراعاً اقتصادياً بامتياز، حيث ازدهر “الاقتصاد السياسي للحرب”. و تحولت الحواضن الاجتماعية إلى وحدات اقتصادية تشارك في تمويل الحرب وتجارتها، وظهرت “اقتصادات طفيلية” تربط بين النخب القبلية وقادة الميليشيات والتجار.
في هذا السياق، لم يعد الولاء قائماً على أساس أيديولوجي صرف، بل تحول إلى ولاء نفعي يعتمد على توزيع الربح والرتب العسكرية والوعود بالمناصب. وتتجسد التداعيات الإنسانية للحرب في أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث نزح الملايين داخلياً ولجأ آخرون إلى الدول المجاورة. هذه الأزمة ليست مجرد نتيجة جانبية للصراع، بل هي أداة للضغط السياسي والتغيير الديموغرافي.
إن الحرب في السودان هي أزمة متعددة الأوجه، تتشابك فيها الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بشكل معقد. إن تفكك النسيج الاجتماعي، وعسكرة الحياة والسياسة، وازدهار الاقتصاد السياسي للحرب، والتداعيات الإنسانية الكارثية، كلها عوامل تزيد من صعوبة إيجاد حل مستدام. يتطلب الخروج من هذه الأزمة معالجة شاملة للجذور التاريخية والسياسية للصراع، ودعم عملية سياسية حقيقية تشرك جميع الأطراف، وتعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني، وتؤسس لدولة قانون ومؤسسات قوية.
الخميس 9 أبريل 2026م
