البلاد بحاجة لوزارة اقتصاد وتنمية موارد
د. محمد عبد القادر سبيل
حينما ترى وزير المالية يصرف جل تفكيره وجهده إلى فرض الجبايات السهلة وتحصيلها، محولاً الضرائب من اداة للسياسة المالية fiscal policy يعالج بها الخلل العام الى مصدر ايراد بلا روية، فاعلم أنه يفكر بعقلية المحاسب وليس الاقتصادي، فالمحاسب الجيد يتعامل مع المال الجاهز دائما، كيف يتلقاه بصورة صحيحة وكيف يصرفه بنظام فني محدد ثم يعد ميزان الحساب الختامي. بينما الاقتصادي هو المسؤول عن ان يخلق المال ومصادره بتدبير خاص، حيث يفكر كيف يستغل الموارد المتاحة امثل استغلال من اجل تحويلها الى ايرادات وافية. ثم يفكر كيف يقوم بتخصيص تلك الايرادات امثل تخصيص لتحقيق افضل مستوى اشباع ممكن maximum utilization لضمان الاستدامة وعدالة التوزيع. وذلك ما يسمى بالمشكلة الاقتصادية economic problem المتمثلة في الفجوة الناجمة عن هذا التحدي: ندرة الموارد وتفاقم الحاجات.
لقد استمعت يوماً قريباً إلى فيديو للصحفي المرموق المهندس عثمان ميرغني وهو فيه ينفي بشدة وجود مشكلة اقتصادية في السودان، معولاً على أن الموارد موجودة بوفرة ولكن الادارة الفعالة هي الغائبة، فاستلفتتني جرأته المحببة، ولكنني عذرته لأنه لا يعلم مفهموم هذا المصطلح الضخم economic problem. فسؤال المشكلة الاقتصادية هو سؤال علم الاقتصاد برمته ومحور مداره، منذ ان كان، وبالتالي لا يجوز ان نقول في أي مكان أو زمان إنه لا توجد مشكلة اقتصادية. لأنها حتما موجودة، في أمريكا والمانيا كما هي دائما في تشاد وزائير. فما دامت هنالك موارد تتطلب التوظيف الامثل وفي مقابلها يقف الانسان بحاجاته الاستهلاكية المتجددة المتعددة والمتزايدة وتحتاج إلى اشباع مستمر، فثمة بالضرورة فجوة حتمية ستنشأ وتحتاج الى إدارة. وبالتالي فكلامه صحيح لناحية ضعف ادارة التوظيف، وهذا ما جعل المشكلة قائمة، بلا معالجة تحتويها.
علم الاقتصاد ينظر دوماً الى الموارد جميعا، بما فيها الانسان نفسه، والوقت ورأس المال والمواد الخام، على أنها جميعا محدودة، بل في حكم النادرة، مهما تكاثرت، وبالتالي فثمة هوة لازمة بين تلك الموارد النادرة والحاجات البشرية النهمة المتمددة. تلك هي ( المشكلة الاقتصادية) التي لا تزول أبداً، بل تفرض علينا التعامل معها بتدبير اقتصادي حكيم، بمعنى الاستغلال الأمثل للموارد (Optimal use of resources ) . في محاولات مستمرة لحل المشكلة إياها.
تلك المحاولات المستمرة تتمثل في النظريات الاقتصادية ومدارسها والخطط والسياسات العديدة التي تدير النشاط الاقتصادي وتحسن طريقة تخصيص موارده .Resource allocation .
فإن لم نفعل فلسوف تتسع هاتيك الفجوة وتزداد الندرة وتهيمن الاختلالات ومن ثم تحل الازمة، وهذا هو حالنا الان.
ليس لدينا نظام منهجي مؤسسي لمخاطبة (المشكلة الاقتصادية) بمفهومها آنف الذكر.
تعالوا الى د. جبريل.
الدكتور جبريل إبراهيم كان دائما وزير مالية فقط، مكتفياً بتفكير المحاسب وأمين الخزينة( منه وله)، يضع وينفذ ويراقب تنفيذ بنود الموازنة العامة ويعتذر بذوق عما يتجاوزها ( العين بصيرة واليد قصيرة). مع ان وزارته ميسمها هو ( وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي).
اين هذا التخطيط الاقتصادي؟
موجود لكنه مشلول.
هل سمعه احد يستعرض يوماً خطة اقتصادية. او يضع برنامجا لتنمية قطاع اقتصادي لينهض به؟ هل رصد موازنة يوماً لإحياء او إقامة مشروع استثماري جديد يرفد الخزينة العامة بايرادات حقيقية تنتشلها من عجزها المزمن؟.
حاشاه. فهو وزير مالية فقط.
إن مهمة وزارة الاقتصاد تتحدد في رسم السياسات الاقتصادية والتنموية الكلية للدولة وتنظيم الأسواق( كالبورصات واسواق الاسهم والمحاصيل) وحماية المستهلك وتعزيز الاستثمارات العامة وتبني السياسات المالية التي تتدارك الاختلالات الهيكلية في أداء الاقتصاد الكلي.
الا ان شيئا من ذلك لا يحدث عندنا، فكيف إذاً لا يتدهور الاقتصاد ويصل بنا الى هذا الدرك الاسفل؟. بل حتى الرواتب ليست من شأنه ( أتصدقون؟!!)، فهو ليس مسؤولا عن التخطيط لها، تقييما وتقويما وتغييرا، بل هو مسؤول عن تنفيذها فحسب بعد ان تتنزل عليه معتمدة.
لماذا؟
لأن المجلس الأعلى للأجور يتبع إدارياً وتنظيمياً لمجلس الوزراء، ويعمل تحت إشراف رئيس الدولة أو رئيس مجلس الوزراء مباشرة، بحسب قانون إنشائه لسنة 2004م. وزير المالية ينفذ جدول الرواتب بعد ان يضمن توفر التمويل.
السؤال هنا:إذا كانت الدولة قد خرجت من الاستثمارات العامة والتخطيط لها منذ ١٩٩٢ خروج السهم من الرميّة، فلماذا يلحق باسم هذه الوزارة عبارة التخطيط الاقتصادي؟ هل يوجد تخطيط اقتصادي في (هذه القرية الظالم اهلها؟) .. قس على الواقع المتخبط والمستسلم لتوجهات وخيارات ورؤى السوق الاسود؟.
اقتصادنا القومي في معظمه اقتصاد خفي shadow economy والحكومة مفلسة بلا ايرادات فهل من مطرح وجدوى للتخطيط التنموي او مصداقية لنتائج المؤشرات الكلية؟.
سيقول قائل كيف تتوقع تخطيطا تنمويا في ظل اقتصاد الحرب.
حسنا هل كانت هنالك خطة تنموية مأخوذة مأخذ الجد
وتحترم اهدافها قبل 2023م؟ ثم إن مفهوم التخطيط التنموي يشمل حتى اشتات المشاريع التي ترفع كفاءها وتنمى ايراداتها، وهذا ممكن، غير أنه لم يكن هماً من هموم وزير المالية، الذي يظل متشبثا بمطلبه ( اجعلني على خزائن الارض) ليبقى دائماً وزير ميزانية جبايات وصرف، لا غير.
أما بعد،،
فأتركوا جبريل في وخزائن الارض هذه ( متحصل _ صراف)
وإننا لنستشرف استحداث وزارة جديدة باسم ( وزارة الاقتصاد وتنمية الموارد العامة) تتعين مهامها فيما يلي:
١. تقوم بكافة مهام ادارة النشاط الاقتصادي القومي على نحو منهجي، بمافي ذلك وضع خطة تنموية قومية شاملة وملزمة النفاذ. فضلاً عن وضع ومتابعة تنفيذ السياسات المالية والنقدية التي عجزت ان تضطلع بها وزارة المالية وبنك السودان .
٢. تنضوي تحتها وزارة الاستثمار، هذه التي لا تستثمر شيئاً، كإدارة من ادارات الوزارة الجديدة وتقوم بتطوير مهامها.
٣. تقوم بإحياء شركات الصادر الحكومية السابقة ( مثل شركة الاقطان وشركة تصدير المواشي الخ. او انشاء شركة حكومية قوية وذات كفاءة عالية باسم : شركة التجارة السيادية تكون مسؤولة عن تصدير ست سلع هي: الذهب والمعادن النفيسة، الصمغ العربي، الحبوب الزيتية كافة، المنتجات الحيوانية، القطن والذرة. وتكون مسؤولة أيضاً عن استيراد ست سلع استراتيجية هي: الوقود، القمح والدقيق، الأدوية البشرية والبيطرية، مدخلات الانتاج الزراعي والصناعي، المستوردات الحكومية.
كما تتبع ايضا لهذه الوزارة شركة المعادن السودانية. ويتبع لها ديوان الزكاة الذي يهدر اموال المسلمين بتقديرات المدراء واللجان وبحجة الالتزام بالمصارف الثماني. يجب دحض هذه الذرائع فلا يجوز شرعا ان يكون الجباة ( العاملون عليها) هم من يقوم بالتصرف في مال الزكاة، فهذا واجب أصيل من واجبات ولي الامر ممثلا في وزارة الاقتصاد وتنمية الموارد( بيت المال المسلمين).
٤. من مسؤوليات هذه الوزارة في شق ( تنمية الموارد العامة) احياء المشاريع الحكومية العظيمة مثل مشروع الجزيرة والسوكي والرهد ومشاريع النيل الابيض الخ وابتدار استثمارات عامة جديدة والدخول في شراكات مع المستثمرين الاجانب من اجل تفجير الطاقات والموارد الزاخرة لصالح زيادة الايرادات العامة من العملة الاجنبية والمحلية معاً. علاوة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الضرورية المختلفة واحلال الواردات.
٥. يجب ان تتمتع هذه الوزارة القائدة لعجلة التغيير والتنمية بصندوق خاص لادارة ايراداتها ومنصرفاتها الاستثمارية بإشراف مندوب دائم من وزارة المالية ورقابة مندوب من ديوان المراجع العام للرقابة والتوجيه المالي ورصد البيات. حتى لا يتعثر اداؤها ببيروقراطية وشح وزارة المالية.
٦. تنظيم الأسواق ( كالبورصات واسواق الاسهم والمعادن والماشية والمحاصيل)
والله الهادي الى سواء السبيل
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي
