المنجاة( مساجلة مع عثمان فضل الله _ 1)
د. محمد عبد القادر سبيل
الأستاذ عثمان فضل الله..
لقد اطلعت على مقالكم في الرد على ماكتبته من جانبي حول نذر انهيار الدولة من جراء الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
ولحظت ملحوظات شتى، إلا أن غاية ما رأيتك تلوب وتصبو إليه هو أن ننسب إلى الحرب كل مثلبة ومؤاخذة، حتى نعبد الطريق نحو حوار يفضي الى نتائج تنسون ان كل طرف يرنو لأن تكون طوع هواه. وما اكثر الأطراف والاجندات في الداخل والخارج وما أكثر ادوات ضغطهم حينئذ.
وبالتالي فإن مقالك لم يكن قراءة فنية قاصدة لظاهرة اقتصادية مقصودة، وانما هو مسعى تجيير للأخضر واليابس من أجل غاية سياسية مرسومة: المفاوضات. أو لعل مرد ذلك إلى طبيعة اهتمامك الذي برعت فيه حد علمي: السياسة. إلا أن مثل هذه النزعة في القراءات التعبوية لا تخلو أحياناً من اعتساف يعتريها وتجنٍ يسعى لاهفاً الى تسخيف كل رأي يجافيها مهما يكن ذا بال.
إن الطريقة التهكمية التي بنيت بها رأيك يا اخي تخرجنا قسراً من رزانة التأمل وحسن التبصر والتحليل الاقتصادي إلى غلواء المجادلة السياسية الديماغوجية وهذا لم أعهده في قلمك الثمين، ولكن ربما هي الحرب وتواري بغية المفاوضات من جراء الحفر بالإبرة.
طبعاً من حقك أن تميل الى ما تحسن صنعته وتهجس به، خاصة أن فيه جانباً معتبرا من الصحة والسعة في التأويل. ولكن ليس من حقك أن تلزم به أغيارك، أو أن تسفه أحلامهم. ولقد بدا لي ان حلم التفاوض السريع الذي تكتحل به مآقي كثيرين _ لعلك منهم_ جعل النظر إلى كل شيء مشروطاً بالركون الى نظارة الحرب السوداء.
المعذرة، لأن منطلقي في تمعن الواقع كان محايداً كما هو ديدن القراءات العلمية ديمة في مساءلة الظواهر، وليس محاولة لتحصيل مطلب سياسي مقدس، أجعله مركزياً قسراً، على سبيل الحمد والتسبيح، في كل تحليل وتشخيص، كما تفضلت بمطالبتي.
انا مثلا ممن يرون ان الخرب قد انتهت من زمان لصالح قوات الشغب المسلحة، وأن ما يجري الآن ليس سوى تعاقب حروب بقادة ميدانيين جدد وجنود جدد
واسلحة جديدة.
و مقالتي التي سارت بها الركبان ( خذوا حذركم.. ستنهار الدولة فجأة) هي مقاربة متواضعة للمشهد من الزاوية الاقتصادية الصرف، بلا ارتهانات الى اجندة سياسية مسبقة تكبلني خارج الظاهرة بما يلزمني ان اتعهدها بالسقيا وتأليب الرأي العام لإلهاب أوارها، ومن يأبى ذلك فالويل والثبور .
دعني أؤكد من جديد رسوخ قناعتي بصحة مالم يرق لك من انه لو احتكرت الدولة/ الحكومة عبر مؤسسة للتجارة السيادية، تصدير السلع النقدية الخمس ( الذهب، الحبوب الزيتية، المنتجات الحيوانية، الصمغ العربي و القطن) فإن تلك هي المنجاة، التي تضع أغلال الأسر عن اقتصادنا الوطني لا محالة، حيث تجلب ما ينيف على 10 مليارات دولار لخزينة الشعب، وهي وافية لتغطية تكاليف الواردات كافة وتفيض) بعد ان كانت طوال سنوات مختطفة في خزينة الرأسمالية الطفيلية، شريطة ان تحزم الحكومة أمرها وتحسم ظاهرتي التهريب والفساد.
على أن تحتكر الدولة، عبر مؤسسة التجارة السيادية ذاتها، استيراد خمس فئات من السلع الاستراتيجية هي: الوقود ، القمح، الأدوية، مدخلات الانتاج، والمستوردات الحكومية)، هكذا أقول ملء فمي إن سعر الدولار حينئذ سينخفض بصورة كبيرة وستنخفض معه الاسعار كما تعلم، ويزيد الانتاج وتقل الضرائب والجبايات المفروضة قهراً فلقد اغتنت إذاً الحكومة بكد يمينها وعرق جبينها.
فهل هذا القرار في ذمتك ياعثمان مرهون بوقف الحرب أولاً؟
لا طبعا. وإنما يبقى عنصر الارادة السياسية عاملاً حاسما تتقاصر دونه الحكومة لسر يعلمه العليم غير ان الظنون تحوم حول أهل المصالح ودوائر النفوذ.
ألا يوجد ربط عضوي وثيق بين الحرب بمعطياتها الراهنة وبين هذا التقاعس المريب إزاء انفاذ مقترحاتنا المذكورة؟ إذ يمكن تحقيقها في ظل الواقع الحالي وإن تطاولت الزوراء.. وحينئذ تكون الدولة قد أفلحت فأمسكت بندقية الشرف بيد وزمام الإشراف الحادب على استقامة الاقتصاد باليد الأخرى ولعل هذا من أوجب الواجبات الآن في نظرنا.
ثم إن الروشتة التي طرحتها مشفقاً على الشعب الصبور للخروج من الأزمة الاقتصادية ليست بدعة، فريدة عصرها، وإنما هي تذكرة واحياء سنة مندثرة، هي الشركات الحكومية التي كانت تتولى يوماً تصدير السلع النقدية منذ عهد الانجليز وحتى تدشين طامة الخصخصة الكبرى (سياسة التحرير الاقتصادي) ومنها: الشركة السودانية للاقطان والشركة السودانية للحبوب الزيتية والشركة السودانية للصمغ العربي الخ وبفضلها كان الجنيه يعادل دولارين وثلاثة.
أقول وأجتر: ليست الحرب هي المسؤولة مباشرة عن تدهور قيمة الجنيه الآن، رغم تأثيرها الحتمي والمنطقي، بل السبب هو افتقار الدولة الى أرصدة العملة الصعبة الكافية، والسبب في افتقارها هذا ليس سوى تنازلها بصغار لتجار الصادر ليغتنمو تلك المليارات الدولارية ، بلا مسوغ واحد يروي الغليل.
وههنا سأكون اكثر وضوحاً حين أزعم أن المسؤول المباشر والمحدد جداً عن الفوضى العارمة الراهنة في سعر الصرف وتفاقم التضخم هو بنك السودان، ممثلا في السيدة آمنة ميرغني محافظ البنك التي تسنمت منصبها قبل اقل من عام وحينها كان سعر الدولار في السوق الاسود 3600 جنيه واكاد اجزم أنها لن تكمل سنتها الاولى حتى يبلغ السعر ثلاثة اضعافه من جراء سياساتها التي تشي بأنها كيدية، وبأنها تقود حرباً ناعمة ومدمرة نرجو ان تكون بحسن نية.
كيف لا وهي بالذات من تنازلت طواعية عن مسؤولية التحكم في سعر الصرف بقرار اصدرته قبل شهر حين اسندت هاته المهمة بالكامل الى البنوك التجارية فماذا تتخيل بعد هذا؟، وآمنة هي من تتعثر الآن في توفير العملة الصعبة لتمويل استيراد الوقود اتكالاً على البنوك التجارية ذاتها المتماهية مع تجار العملة والسوق الاسود، وهي ذاتها من كلفت شركة العسجد لتتولى مهمة إدارة التحويلات بين البنوك ( المقاصة) وإذا كان البعض سينبري للقول بأنها ثابت الى الرشد وسحبت قرارها ذاك فدونك موقع بنك السودان تجد فيه الآن اعلانا لاجراء مناقصة جديدة من اجل توسيد مسؤولية المقاصة NIPS الى شركة خاصة شبيهة بالعسجد خلال الفترة القليلة المقبلة. فهل رأيتم عناداً وإمعاناً في الخصخصة وفي الاضرار بالاقتصاد الوطني اكثر من هذا؟.. وهل سمعتم ببنك مركزي غيرنا يقوم بتسليم مسؤولياته الجسام للقطاع الخاص؟
كيف لا تفعل آمنة هذا العجب العجاب وهي التي استهلت محافظيتها بإلغاء قرار سلفها برعي الصديق القاضي باحتكار البنك المركزي لصادر الذهب.. ههنا عين العاصفة، ومبعث الشك والأزمة الراهنة والتدهور المريع الجاري.
فهل الحرب هي التي دعت هذه السيدة المحترمة لهذا للتنصل عن كل مسؤولية وبلا هوادة؟ ام أن جهة ما ندبتها لإذكاء هذه النار؟ فمن الذي وراء تعيينها وماذا يريد بنا ؟.
قطعاً الحرب ليست هي السبب المباشر ، ولكن ثمة حرب اقتصادية مستعرة ولها قادة وجنود.
اسمح لي بأن اكرر قرع جرس الانذار: حذار حذار، إنه اذا استمر هذا التقاعس والتواطؤ وإطلاق العنان ليد آمنة ميرغني وهاهو الرئيس البرهان يتمهل ويمنحها الفرص، فستنهار الدولة فجأة كما توقعت.. فالدولار اليوم تجاوز الثمانية آلاف والقادم أحلك.
ياعثمان مهما عددت من تداعيات الحرب اللعينة وقد اوقفت المصانع وشردت المنتجين ودمرت البنى التحتية .. كل هذا الصحيح. إلا أن مدار رصدنا وتقصينا كان مصوباً نحو ما ينتجه السودان من مواد خام الآن ( كالذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية والمحاصيل ) وهي منتجات كما ترى بعيدة عن المصانع والكهرباء المتعثرة.. اقول هذه (المواد الخام ) الآن ورغم تداعيات الحرب تفوق حصيلتها الاجمالية العشرة مليارات دولار سنويا. قالوا (الجفلن خلهن أقرع الواقفات).
إن الانتاج مافتئ يتدفق في المناطق الآمنة التي تحت حماية الجيش مثل ( القضارف وكسلا ونهر النيل وسنار والشمالية والنيل الازرق والنيل الابيض وغيرها). ولكن للأسف الشديد تذهب هذه الحصيلة هدرا لصالح الرأسمالية الطفيلية والدولة تتفرج . ذاك هو ما رميت إليه في مقالي الذي قرأته انت بحذر.
وفي الحقيقة فإن هذه الحصيلة كافية لحل المشكلة الاقتصادية وتخفيض اسعار الوقود والخبز والدولار معاً بفارق معتبر فيما اذا سيطرت الدولة على هذه السلع النقدية فقامت بتصديرها بنفسها بدلا من التجار الذين مابرحوا يعبثون بحياة الناس ويعرضون الدولة لخطر الانهيار في اية لحظة. فمن لا يملك قوته (دولاره) لا يملك قراره، بل يقرر له من يملك.
ثم..
لما كان مقالك يسعى الى جعل قضية التفاوض ووقف الحرب القضية المركزية لكل من يتناول الشأن العام في أي مجال.. فإنني استجابة لك حيال ذلك ( وتعرفني زول نصيحة) اعددت رايي وسأعود إليه في حلقة تالية حتى لا أطيل.
والله الهادي الى مراشد الهدى
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي
