د/محمد سبيل بكتب: حرب لاؤها نعم (مساجلة مع عثمان فضل الله _2)

حرب لاؤها نعم
( مساجلة مع عثمان فضل الله _2)

د. محمد عبدالقادر سبيل

قال زهير:
فَمن مُبلِغُ الأَحلافِ عَنّي رِسالَةً
وَذُبيانَ هَل أَقسَمتُمُ كُلَّ مُقسَمِ
فَلا تَكتُمُنَّ اللَهَ ما في نُفوسِكُم
لِيَخفى وَمَهما يُكتَمِ اللَهُ يَعلَمِ
يُؤَخَّر فَيوضَع في كِتابٍ فَيُدَّخَر
لِيَومِ الحِسابِ أَو يُعَجَّل فَيُنقَمِ
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

فطرة العقل، تهدي صاحبها إلى بغض الموت، فهل تراه يؤثر أسبابه؟.
الحرب من أسباب الهلاك التي تأنفها النفس بالسليقة. ولكن هل تأنف كل النفوس أسباب الحرب؟
سيرة بني آدم وتاريخهم على هذه الارض اصدق شهادة ان الناس لطالما يأخذون بأسباب الحرب ما طمعوا، وما بغى بعضهم على بعض، ودونك أهوال ما يسرد التاريخ قريبه وبعيده.

بناء على ما سلف، يبرز سؤال زهير بن ابي سلمى اعلاه في وجه أئمة( لا للحرب) مرتاباً من صدق نوايا من ينبذون الإقتتال: هل أنتم فعلا لا تريدون الحرب؟ أم تريدون غنائم تليها تهرعون إليها؟ يقول:
(فَلا تَكتُمُنَّ اللَهَ ما في نُفوسِكُم)
فإذا كان حلف (صمود) يصدقون في مناشدتهم أن تضع الحرب أوزارها فلماذا يدعون للسلم بلسان ويدعون العالم الى حرب وهزيمة جيش السودان بلسان؟ وإذا كانوا يريدون تجريد الايدي جميعا من السلاح فلماذا لا تشتد الهمة في تكبيل يد المليشيا بالحماسة ذاتها؟ إذا ظلمت فاعدل في ظلمك حتى لا يكون امرك حشفاً وسوء كيل.
وهل يخفى على ذي حجى أن البين شاسع بين من يبتغي إصلاح ذات البين مخلصاً وبين من يريد هزيمة الطرفين المرهقين معاً، فيبرمان صلحاً كيفما اتفق، ليظفرا ببقية من حياة فيخلو بذلك له الجو فيبيض ويصفر، وذاك ما يدعونه: توازن الضعف !.
ياعثمان
هل هي (لا للحرب) فعلا أم أنها (لا لطرفي الحرب) ونعم للحرب التي تؤتي أكلها غنيمة للصقور المرتقبة؟
لعمري إني لأحسبها لاء ملئها نعم!.
والشواهد على ذلك، أكثر من أن تحصى.
خذ مثلا.. متى قدم معسكر ( لا للحرب) ما يشفي من البراهين على انهم دعاة حسنى وسعاة إصلاح لذات البين وجمع الشمل بين طائفتين من المؤمنين اقتتلوا فاخذوهم بخفض الجناح وروح السماح؟
أم انهم يرفعون شعار (لا للحرب) من باب رفع المصاحف على أسنة الرماح بغية الاحتكام الى الدهاة في المفاوضات ليتم فرض الصفقة بضغوط دولية ولا يهم ان تطيب النفوس او تزهق الانفس من بعد؟.
ثم كيف يصلحون ذات البين وليس أياً من الطرفين يشاطرهم إلاً أو ذمة، لا فكرياً ولا سياسياً.
ماتراه العين الواكفة.. أن (صمود) لاهفة، دون حرج، في مشارق الارض ومغاربها نحو إدانة الجيش بحيازة السلاح الكيماوي، حتى تسهل الحرب الدولية عليه ونقول رغم مل انف ( لا للحرب) بلا وجل، وما انفك انصارها ثابتي الجنان بأن شعارهم الميمون نزيه وأخلاقي ويبرئ ذمتهم، شاء من شاء، وابى من ابى، ومن يستغربه منهم أو يتخذ موقفاً يعارض مخاتلته فهو الجهول البلبوس الذي لا يستحق إلا سيء الظن والقول فيضرس بانياب ويوطأ بمنسم. وهم يعلمون أن لاءهم ( في الحسبة) بنت نعم، فيما إذا محصت.
ياترى متى تقدمت صمود بمبادرة سلام منصفة تنصر فيها الدولة وكرامة الشعب؟. او سعت يوماً إلى تليين المواقف بين الطرفين أو حاولت بشرف تغيير مواقف الداعمين للطرفين وتوظيفهم لمشروع الصلح؟
لم يحدث.
لانها لا تريد سلام الكرامة والكرام. بل الذلة والأذلاء. ويتساءلون متى هو…
تَرجو النَجاةَ وَلَم تَسلُك مَسالِكَها
إِنَّ السَفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ

الحكمة تقتضي أنك إذا كنت جاداً ومخلصاً في أن توقف عراك رجلين يتشاجران، فلا يعقل أبدا ان تستخف بأحدهما ولا بكليهما فتسمعهما ما يسوؤهما.
فكيف يمكن أن تكون جاداً وانت تستفز احدهما دائما دون سواه وتصمت عن تقريع الآخر وتكشف عورة من تتحامل عليه وتحاول ان تكبل يديه وتشهد ضده ثم تدعو العالم لأن يدينه ويهزمه ثم تقول انا محايد وانا اريد السلام و لا للحرب. أليس هذا من عجائب الدنيا؟
الجدية والارادة الصادقة تلزمان القوى المدنية التي تدعو الى وقف الحرب ان تكون امينة مع نفسها فتبدي خطابا يصلح ذات البين ويطيب الخواطر بما يؤدي الى خفض الجناح ليصبح التفاوض حتما..
اخي عثمان
من يرد ان يوقفها ليس هو من يكثر الكلام عمن اطلق رصاصتها الاولى فتلك لحظة يمكن ان نستعيدها لاحقاً في مرحلة المحاكمات واما الان فيجب ان نعتني ونكشف من يعيد تأجيج نارها كلما اقتربت من ان تخبو..
يقول (لا للحرب) وهو يصطف بجرأة وشعور بالكبرياء خلف من يشحذها من جديد.
ترى كم مرة بدأت هذه الحرب وانتهت ثم بدأت من جديد؟ جهة الوسط ثم الغرب والجنوب والان تريد ان تنطلق من جديد جهة الشرق فهل من نابذ لها يقول لاثيوبيا في بيان رسمي: لا للحرب؟ أم هذا المطلب لا يوجه إلا نحو الجيش وحده؟ فهو المطلوب منه ان يسلم ليسلم بعد ان يستنزف.
ثم كيف نكون مع تأجيجها كل مرة برصاصة جديدة ورغم ذلك تقول من الذي اشعل الحرب أول مرة؟ وتتمادى في المخاتلة فنقول بجراة: لا للحرب !!؟
أية حرب؟ هل الاولى ام المتجددة الفاشر؟ ام المتجددة في الكرمك وقيسان؟ ام التي يجري الاعداد لها الان؟
حتى لأكاد أظن ان هذه الحرب ستتوقف فقط حينما تتوقف ( لا للحرب) الملأى بالحروب وبالدسائس.

ختماً وليس ختاماً أقول من جانبي: لا للحرب فعلاً. ولكنها لاء مخلصاً بها لا اريد من تلقائها غنماً اغتنمه، لاء الناهية عن المنكر تلك التي تحق الحق وتبطل الباطل وتقيم وقار الدولة وتحقن دماء من تبقى من شعبها المصاب في ابنائه.
والله يهدي الى سواء السبيل.

رسالة خاصة:
ارجو الكرام من أهل (صمود) ان يقولوا ( لا للحرب) فعلا. ويسعوا مخلصين في اخمادها من اجل هذا الشعب المضحى به والذي لم يضرم الحرب الاولى ولا الثانية والثالثة.
وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ
عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي