التبعية المقنعة..حين تفشل النخبة في اختراع الوطن

التبعية المقنعة.. حين تفشل النخبة في اختراع الوطن

ظلت النخبة السودانية تلف وتدور في فراغ فكري وغربة ايدلوجية حتي تيتمت في عالم دفن عهد الايدلوجيات وشيعه الي مثواه الاخير ورغم سوء إدارتها وتعاطيها مع الشأن العام منذ الاستقلال بعقول مستعارة واوجه قصور متعددة تلبست أقنعة النفاق والاستهبال والكذب لذلك لم ننتج فكرة تاصيلية عميقة قادرة علي الصمود أمام العواصف والتقلبات السياسية اما انها لم تعبر عن الهوية القومية وتخاطبها او سقطت في براثن التبعية والمحاكاة والتقليد فاليسار الذي كان من المفترض أن يكون مدرسة تنويرية حداثوية أضاع فرصة اثراء المكتبة السودانية مع انشغاله بالصراع السياسي لم يطرح مقاربات جادة تخلق التفاف حول فكرة وطنية جامعة في الحد الادني لكل اهل السودان بل جاء بمسوخ مشوه فكريا وايدلوجيا امثال حمدوك ورهطه يحملون تناقضات فكرية سأقتهم الي ممارسة تشوهات سياسية متغمصين شعارات النيو لبرالية حتي يخدعوا شباب الثورة فاضاعوا علي السودان فرصة معالجات واصلاحات سياسية كان يمكن أن تتم بدون ضجيج وبدون تشويش لان المسيرة الوطنية عرفت تجارب مماثلة كان يمكن الاستفادة منها بهدوء فلماذا احدثوا كل هذا الصخب الذي أوجد هذا ( الفراغ القاتل ) وحالة التوهان التي يمر بها الوطن ؟ اعتقد ان مجموعات اليسار التي ارادت و أن تحل بديلا للاسلامين لم تخرج من مدرسة تحررية ثورية حقيقية كتلك التي توجت نضالات اليسار في امريكا اللاتينية مثلا واظهرت للعالم رجالات امثال هوغو موراليس في بوليفيا وتشافيز في فنزويلا وجيفارا كرمز للنضال الثوري التحرري فعرفهم العالم رجال ذو فكر ورؤية تختلف او تتفق معها الا انها اثرت في الحوارات والسجالات الفكرية والفلسفية الكبري لانها طرقت مواضيع غاية في الاهمية في الصراع حول الموارد واثره علي التنمية والعلاقات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية فاسفرت عن محاولات جادة وصادقة في قطع الحبل السري مع المركز الإمبريالي الاستعماري لا السعي خلفه والانقياد له لأنها بوعيها الوطني ادركت انه لن يتوقف عن محاولات تكريس التبعية الاقتصادية والسياسية لنهب ثروات الشعوب فتصدت له بأفكار وإجراءات تحوطية طرحت تاميم الموارد لحماية السيادة الوطنية بينما ظل يسارنا بمختلف مدارسه عالق في كتيبات مترجمة ونصوص مستوردة لا تشبه طين هذا البلد ولا مزاج ناسه واظنهم لم يعيروا تجربة ماو تسي تونغ اهتماما ولم يتدارسوها اصلا لأنهم من فرط نصوصيتهم تحولوا الي طائفة تدور في فلك كارل ماركس بدون إبداع او تجديد فانقسموا وانشقوا .
أما اليمين السوداني بمختلف احزابه وتياراته لم يهتدي الي اجتراح افكار ورؤي محافظة قادرة علي مواكبة المستجدات وصامدة أمام سؤال الأصالة والحداثة بحجج قوية حتي تحمي السوق والأرض والعقيدة
و ظل هو الاخر يلف ويدور في فلك الإمبريالية يبيع الموارد خاما ليشتريها مصنعة كتاجر تجزاءة ساذج يعتقد أن هذا هو الانفتاح والاستثمار المطلوب يرفع شعار الخصخصة التي لم تكن سوي تفريط و شعار السوق الحر الذي لايعدو كونه الا انقياد اعمي ولم يؤثر هذا العجز المزمن في ضعف المقاربة الوطنية فقط بل أوجد ثقوب وثغرات كادت أن تعصف بالوطن وتفككه ومع ذلك لايريدون الاعتراف او استيعاب السياق المنطقي او الموضوعي الذي منح القوات المسلحة فرصة للتدخل في الشأن السياسي كظاهرة ظلت تتكرر عقب كل فشل سياسي او سقوط مشروع مدني فارغ المحتوي والمضامين لذلك اليوم لا نواجه املاءات بل قصور داخلي في التصورات والمشاريع الوطنية
وهذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن نواجهها فالخارج لا يملأ إلا الفراغ الذي تتركه النخبة. عندما لا تملك النخبة رؤية وطنية تحافظ على وحدة السودان أرضاً وشعباً لذلك لابد من حوار وطني جاد ينتج افكار ومشاريع لتحصين الارادة والرغبة الوطنية الخالصة حتي نتمكن بموجبها من التعاطي مع المبادرات لتكيفها وسودنتها حتي لا تتحول الي فصل او نوع آخر من انواع التبعية سواءا بشعارات انسانية او غيرها بعد أصبحت الشعارات القديمة مثل (عبء الرجل الابيض) التي بررت الاستعمار مخجلة .ووجب التصدي لفكرة أن الحل لا يأتي الا من الخارج فمتي ندرك اننا اليوم أمام سؤال مشروع وطني يتجاوز تنميط وتسويق الآخرين علي اساس الثنائيات الذي يحبس افق النظر عن ماوراء الافق .