د/ محمد سبيل يكتب : ادركوا أطفال السودان من الانقراض

أدركوا أطفال السودان من الانقراض

د. محمد عبد القادر سبيل

حسبما رأته العين في جند الدعم السريع الذين شاركوا وما يزالون في الحرب ضد الدولة فإن نسبة الاطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥_ ١٨ لا تقل عن ٦٠% من تلك القوات لأنهم غالبية. والراجح أن الذين قضوا نحبهم منهم ليسوا أقل من ٩٠% نسبة لتهورهم وحبهم للمغامرة كعادة المراهقين. وبالتالي فإننا نتحدث عن زهاء الستين ألف طفل ازهقوا لقلة تبصرهم وشغفهم بزينة المال والسلاح والكاكي وقد اغشيت عقولهم بالمنشطات، فقضوا نحبهم سريعاً قبل أن يحققوا شيئا لانفسهم أو لأهليهم سوى أنهم ذهبوا مأسوفاً عليهم فخسرهم الوطن برمته. فما بالك إذا أضفنا إلى هؤلاء يافعي المتاريس إبان أحداث انتفاضة ديسمبر وشهداء مقتلة القيادة الذين هم في السن ذاتها،
ألا ترون ان احداث هذه السنوات الاخيرة وقبلها من دفعوا بالقوة لحرب الجنوب في عهد الانقاذ فليس ثمة الا صقور الموت في فضاء السياسة تتخطف الاطفال سراً ولا يبقى الا العواجيز الذين يحضون الصغار على الحتف.؟

إنه أمر لا ينبغي السكوت عنه.
وإذا استمر هذا الوضع سنوات أخرى بالوتيرة ذاتها فهنالك قبائل كاملة في دارفور ستصبح بلا شباب وبالتالي فغداً بلا رجال ونساء بلا ازواج وهكذا فإن وجودها بالكامل بات مهددا بالانقراض.
أما إذا فتحت الكيانات السياسية المدنية باب التجنيد والتدريب في الخارج لامتلاك مليسيات بأموال الدول التي تغدق على مثل هذا التدمير الممنهج لبلادنا بتواطؤ مع المتحصنين واطفالهم بالشقق الفارهة، بعيدا عن بؤر الخطر، فإن شعب السودان كله سيصبح مهددا بالتآكل الشديد والاضمحلال مع تتابع ازهاق ارواح المراهقين المعبئين نفسياً عبر اساليب حمية القبيلة وغسيل الادمغة بجانب انفاق المال عليهم بسخاء.

في بلادنا قانون لحماية الطفل من الاستغلال بشتى اشكاله.
وقانون العقوبات السوداني يخضع النصوص التي تجرم التغرير بالأطفال أو الزج بهم في أعمال العنف والمخاطر ضمن ادوات المساءلة القانونية، حيث اعتبر القانون أن استغلال الأطفال سياسياً أو دفعهم لقلب الأحداث والمواجهات يعد جرماً.

أما عالمياً فيُجرّم القانون الدولي مثل (البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل) استخدام الأطفال دون ١٨ سنة كدروع بشرية للسياسيين أو أدوات إدانة أو إشراكهم في النزاعات المسلحة والعمليات شبه العسكرية، وهو ما تنطبق مبادئه عند تحول الاحتجاجات السياسية إلى شغب واشتباكات مسلحة.

ويورد القانون الدولي مبدأ مصلحة الطفل الفضلى (في المادة 3) التي تنص: يجب أن تكون مصلحة الطفل هي الاعتبار الأول في أي إجراء يخصه. ومعلوم ان دفع الأطفال إلى واجهة الاحتجاجات التي يعلم فيها توقع الخطر المميت ( Shoot to kill ) أو خطوط المواجهة يمثل انتهاكاً صارخاً لهذا المبدأ.

ولقد درجت القوى السياسية والمليشيات في الدول المتخلفة على استغلال إندفاع وخفة عقل الاطفال الذين لم يتجاوزوا ١٨ سنة والذين يبحثون عن بطولات رومانسية زائفة، وقودا للصراعات السياسية التي تشعلها تلك القوى بينما تتخفى كوادرها عن الانظار معرضة حياة الغافلين للاذى البليغ والهلاك الذي يستخدم للمتاجرة السياسية من جراء الاصطدام بأدوات القمع كالعصي والغازات السامة والرصاص الحي ولا يحصل الطفل المغرر به الا على اعاقة جسدية مستدامة او نفسية ملازمه له طوال حياته في حال القبض عليه وتعذيبه وترويعه من قبل الجهات الأمنية.وسيفقد حياته على الارجح في حال الزج به في الحروب الاهلية التي يدفع اليها دفعاً باسم بالبطولات الوطنية والاستشهاد الذي يخلده في سجل التاريخ وهكذا ولقلة تجاربه فإنه لا يتساءل لماذا لا يسارع قادة هذه القوى السياسية المتصارعة على السلطة الى البطولة ذاتها وإلى الشهادة التي يكافأ بها.؟!
هذا العمل السياسي الخالي من الضمير الانساني يجب يوقف عند حده. ويجب ان يحاكم مرتكبوه بأشد العقوبات مهما تذرعوا بعدم العلم أو بإصرار الطفل على التهور والمغامرة، فالصرامة في المنع هي المنجاة الوحيدة لوضع حد فاصل لهذه المتاجرة بإثارة العواطف وحب الوطن ونبل التضحية من أجله عبثاً بمشاعر الاطفال من غمرة غفلتهم وقلة خبرتهم في الحياة.

أما الطفل المغامر ذاته فينبغي في حال القبض عليه والتحقيق معه وصولاً إلى الجهة التي تخدعه وتبيع طفولته بثمن بخس أن يحال إلى اصلاحية نفسية اجتماعية يبقى فيها سنوات حتى ينضج ويتزن لأنه إذا أدمن المغامرة فسيعود مادام هناك من يستحثه، شريطة أن يتلقى في معزله التعليم كاملاً أو التدريب المهني الذي يناسبه.

إن مجرد استقطاب الطفل الذي لم يتجاوز ١٨ سنة، وتنسيبه الى اي كيان حركي سياسي او واجهة من واجهاته المخاتلة حيث التحريض على الاستعصاء إزاء نصح الوالدين والتمرد على القانون والنظام السياسي يعد شروعاً متعمدا في مصادرة مستقبله وتجيير حريته لصالح افكار كيان حركي لهو امر لا يقل خطورة من تعمد القتل أو الاذى الجسيم من حيث أنه استدراج وتخطيط ينتهي بممارسة العنف لاحقاً.
والله الهادي الى سواء السبيل

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي