د/ محمد سبيل يكتب :لا  العلمانية ولا الديمقراطية ضمنت السلام لاثيوبيا

لا العلمانية ولا الديمقراطية ضمنت السلام لإثيوبيا

 

د. محمد عبد القادر سبيل

 

قال أبو الطيب المتنبي:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا

مضر، كوضع السيف في موضع الندى

كذلك فإن لكل شعب خصائص وطبائع تشكل هويته ويتعين تشخيصها والاحتكام إليها، عند وصف ما يناسبها من أطر وأنماط تشكل حلولاً ونماذج لأسلوب حياة أفضل.

هذا من جانب، ومن جانب آخر ستبقى نظرية صاموئيل هنتينجتون (صراع الحضارات) _ بمعنى صراع الهويات أو الثقافات الكبرى _ صحيحة لوقت طويل كما يبدو. إذ لا يحيد عنها الواقع، حيث لا يتطور النزاع السياسي في أي مكان من العالم إلى عنف ودم إلا إذا توفر المحفز الحاسم: استشعار الهوية المختلفة. فحينئذ فقط يطل الموت برأسه محمولاً على مشاعر الغبن والهجر وفقدان الثقة.

هذا ما تعبر عنه الآن مبررات الحرب في اثيوبيا والسودان واوكرانيا وايران: صراع الهويات المتباينة المسوغ جزافاً بأقنعة الرؤى السياسية او المصالح الاقتصادية المتناقضة.

وتأسيساً على ما سلف، فإنه ليس صحيحا بحزم القول بأن تبني الدولة للعلمانية والنظام الديمقراطي الليبرالي يضمن بالضرورة السلام والوئام والحياة الكريمة للمجمتع.

التجارب الماثلة تنفي هذه العقيدة الدوغمائية عند البعض والتي يجري تسويقهما في كل زمان ومكان بوصفه إكسير حياة وعافية.

ترى هل ضمنت الديمقراطية الليبرالية شيئاً من ذلك للبنان واثيوبيا والعراق؟ ام أن نظرية السودان الجديد العلمانية ضمنت ولو القليل من التجانس النفسي والاجتماعي لشعب جنوب السودان؟.

استشعار الهوية دائما وأبداً هو مربط الفرس، وهو النقطة الاكثر قابلية للانفعال العاطفي الحاد.

وإزاء حربنا في السودان فإنه لا غرو أن الغبائن التي يحملها اولاد دارفور تجاه اولاد البحر وخاصة اهل المديرية الشمالية القديمة لا ينكرها الا من لا يريد ان يعترف بها، ولو صحت، ولعل منبعها هو عدم التجانس الهويوي، ولذلك كانت الحرب خياراً ممكنا. وفظائع واهوال هذه الحرب إنما هي مؤشرات قياس لمدى عمق تلك الغبائن والاحقاد الهويوية المكظومة من باب التجمل جيلاً إثر جيل.

وتأسيساً على فات، فيمكننا أن نستخلص أن انفعال مشاعر الهويات ( بمعنى الثقافات حسب المفهوم الانثروبولوجي) حينما تتنابذ وتصطدم، هو مصدر العنف والقلاقل الرئيس في كل مجتمع، بينما التناغم لهذه الناحية هو الضامن الوحيد لخضوع الخلافات والنزاعات لسقف دون الدم.

والذي يكبح غلواء النزاعات تحت سقف الدم، وإلى أدنى حد ممكن في هذه الحالة، هو مدى النضج المدني وطبيعة المجتمع الحضارية والوعيوية.

بمعنى أن ثالوث: النضج المدني للمجتمع، ونزاهة وكفاءة حكومته، في ظل التناغم الهويوي، هو ما يضمن استقرار الدولة وتماسكها -في اي مكان_ حتى لو كان نظامها السياسي توتاليتارياً كحكم السيسي في مصر و أسياس أفورقي في ارتريا أو ديمقراطيا مترافقا مع الآيدولوجيا الدينية كنموذج اردوقان في تركيا أو قومياً مثل حالة بوتن في روسيا.

هذا الفحص يفضي بنا الى استنتاج مفاده أن الإصرار على غض الطرف عن معضلة تباين هوية المجتمع ( لسانه وتقاليده، تراثه ونمط حياته، تصوراته ومعتقداته وسلوكه العفوي) وأيضاً مدى نضجه المدنى ومدى كفاءة حكوماته.. إنما هي بمثابة الإصرار على الفشل وتوفير أسباب الاضطراب والنزاع عبر فرض التعايش القهري.

ويكفي دليلاً على صحة الخلاصات أعلاه تجدد وتكرر النزاعات المميتة ذاتها بين المجموعات ذاتها، جيلاً بعد جيل فنجتر الخطأ نفسه ( التعايش القهري باسم الدولة العلمانية الرحبة والتعويل على الديمقراطية الليبرالية الغراء) منتظرين نتيجة مختلفة ومشرفة بدون حدوث تحول نوعي حقيقي في الثالوث الشرطي المذكور آنفاً.

 

زبدة القول:

لا تبشرونا بهذا النظام السياسي أو ذاك منجاة من وهدتنا. ولكن بشرونا أولاً بما يصنع تناغمنا ثم وحدتنا لنضمن بذلك السلام والوئام قبل ترف نظام الحكم الراقي.

علماً بأنه لا توجد صيغة واحدة للنمط السياسي الذي يناسب كل شعب في ظل تنوع الطبيعة الهويوية والخصائص البنيوية لثقافة المجتمعات وفق شروط بيئاتها وسيرورة تاريخها. هذا ما يجب الاعتناء به مسبقاً بدل تجهيل النقاد ومعاداة العسكر وارتكاب مجازفات تجاهل الظروف الموضوعية والبيئية حين تطبيق النظريات الجميلة.

 

ملحوظة :

الاسلام أيضاً لا يضمن السلام بين مكونات المجمتع ما دام المثلث المذكور ليس معافى: التناغم الهيوي والنضج المدني الوعيوي والحاكم الكفء. وإلا لما اقتتل الصحابة ومن بعدهم.

والله يهدي الى سواء السبيل

د. محمد عبد القادر سبيل