ضل الحراز
بقلم علي منصور حسب الله
أهداني الدكتور خالد الحطابي آدم باكورة إنتاجه الفكري كتابه الموسوم ب (أثر الحكم المحلي على التنمية المستدامة) وهو كتاب يأتي في توقيت بالغ الأهمية في لحظة يبحث فيها السودان عن إجابات جوهرية لأسئلة الحكم والتنمية وإدارة التنوع وإعادة بناء الدولة من القاعدة إلى القمة وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه لا يتناول الحكم المحلي بوصفه مجرد مستوى إداري ضمن هياكل الحكم بل يقدّمه باعتباره المدخل الحقيقي لتحقيق التنمية المستدامة والأداة الأكثر فاعلية لربط المواطن بالدولة وتحويل السلطة من مفهومها القسري إلى وظيفة خدمية تناول دكتور الحطابي الحكم المحلي من المفهوم إلى الغاية في الفصل الأول حيث شخص المؤلف الحكم المحلي من حيث المفهوم وعوامل البيئة والأهداف وأبرز كيف أن الحكم المحلي ليس مجرد تقسيم إداري أو توزيع جغرافي للسلطة وإنما هو فلسفة حكم تقوم على القرب من المواطن ومعرفة احتياجاته وتمكينه من المشاركة في اتخاذ القرار ويُحسن الكاتب حين يربط الحكم المحلي ببيئته السياسية والاجتماعية والاقتصادية موضحًا أن أي تجربة للحكم المحلي لا يمكن أن تنجح إذا فُرضت من أعلى أو نُقلت كنموذج جاهز دون مراعاة الخصوصيات المحلية وهنا يضع القارئ أمام سؤال مركزي هل فشل الحكم المحلي في السودان بسبب ضعف الفكرة أم بسبب سوء التطبيق؟
وحول التنمية المستدامة وما وراء الشعارات التطبيقية يتناول دكتور الحطابي في الفصل الثاني من كتابه التنمية المستدامة من حيث المفهوم والمقومات والأهداف وينجح المؤلف في تفكيك الاستخدام الشائع والمبتذل للمصطلح ليعيده إلى معناه الحقيقي تنمية تلبي احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها ويربط الكاتب بين التنمية المستدامة والحكم المحلي ربطًا عضويًا موضحًا أن التنمية لا يمكن أن تكون مستدامة إذا ظلت مركزية التخطيط أو موسمية التمويل أو منفصلة عن المجتمعات المحلية فالتنمية الحقيقية تبدأ من المحلية حيث الأرض والموارد والناس والمشكلات اليومية
وفي الفصل الثالث يشخص الدكتور الحطابي الفدرالية السودانية من خلال قراءة من زاوية الحكم المحلي وهي قراءة تحليلية عميقة لمسار الفدرالية السودانية منذ قانون الحكم المحلي لعام 1991م مرورًا بالتجارب اللاحقة وصولًا إلى دستور 2005م الانتقالي وذلك من زاوية الحكم المحلي لا من زاوية المركز وهنا تكمن إحدى أهم إضافات الكتاب إذ يبيّن أن الإشكال لم يكن في إعلان الفدرالية كنظام حكم بل في تفريغها من مضمونها وتحويلها إلى هياكل إدارية بلا صلاحيات حقيقية أو موارد كافية أو استقلال في اتخاذ القرار وبذلك تحولت الفدرالية في كثير من الأحيان إلى لامركزية شكلية بينما ظلت السلطة الفعلية مركّزة في المركز وفي الفصل الرابع تناول دكتور الحطابي المحليات حيث قدم نماذج (الخرطوم والدامر والقضارف ونيالا) هنا ينتقل الكتاب من التنظير إلى التطبيق عبر التعريف بمحليات الخرطوم والدامر والقضارف ونيالا بوصفها نماذج مختلفة من حيث الجغرافيا والموارد والكثافة السكانية والتحديات التنموية وتبرز هنا أهمية محلية نيالا التي تمثل نموذجًا معقدًا يجتمع فيه الضغط السكاني والتنوع الاجتماعي والهشاشة الاقتصادية وتداخل الأدوار بين المحلي والولائي والمركزي ويكشف هذا الفصل بوضوح أن نجاح الحكم المحلي لا يتوقف على القوانين وحدها بل على بناء القدرات وتوفير الموارد واستقرار البيئة الأمنية والسياسية قام الدكتور الحطابي بدراسة ميدانية ليمنح الكتاب قوته التطبيقية عبر الدراسة الميدانية التي تنقل النقاش من مستوى الأفكار إلى مستوى الواقع فهنا تتكلم التجربة وتظهر الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية وبين ما يُفترض أن يكون وما هو كائن بالفعل وتؤكد الدراسة أن غياب الحكم المحلي الفاعل لا يؤدي فقط إلى تعثر التنمية بل يسهم في تغذية النزاعات وتعميق الإحساس بالتهميش وإضعاف الثقة في الدولة ما يميز كتاب الدكتور خالد الحطابي آدم أنه لا يكتفي بالتشخيص بل يفتح الباب أمام إعادة التفكير في بناء الدولة السودانية من أسفل إلى أعلى ففي ظل الأزمات المتراكمة والحروب وتفكك المركز يصبح الحكم المحلي القوي والديمقراطي أحد مفاتيح الخروج من الأزمة لا بوصفه حلًا سحريًا بل كمسار طويل لإعادة الثقة وتحقيق العدالة التنموية ومنع إعادة إنتاج الصراع
إن التنمية المستدامة في السودان لن تتحقق عبر الخطط المركزية وحدها ولا عبر المؤتمرات والمانحين بل عبر محليات تمتلك سلطة حقيقية وموارد واضحة ومساءلة مجتمعية وتُدار بعقول تعرف قيمة الأرض والناس يُعد كتاب (أثر الحكم المحلي على التنمية المستدامة) إضافة نوعية للمكتبة السودانية ومرجعًا مهمًا للباحثين وصناع القرار والمهتمين بإصلاح الدولة وهو كتاب يطرح سؤالًا جوهريًا لا يزال معلقًا هل نملك الشجاعة السياسية لنمنح الحكم المحلي ما يستحقه من صلاحيات أم سنظل ندور في حلقة المركز والفشل؟ إنها قراءة لا تُغني عن النقاش لكنها تُشعل جذوته… وهذا في حد ذاته إنجاز فكري يُحسب للمؤلف
شكراً الأخ الدكتور خالد الحطابي وأنت تضيف كنز ثمين إلى المكتبة السودانية وتخص مكتبتي المتواضعة بهذه الإضافة النوعية

