حين تُعاقَب الضحية مرتين… امتحانات الشهادة بين المسؤولية الوطنية والحسابات الضيقةعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

 

 

بقلم علي منصور حسب الله

 

 

 

في زمنٍ تتشظّى فيه الجغرافيا تحت وطأة الحرب وتتشقق فيه البيوت قبل الدفاتر يصبح التعليم آخر خيطٍ يربط أبناء السودان بوطنٍ يتمنون عودته كما كان لذلك فإن أي مساس بحق الطلاب النازحين في الجلوس لامتحان الشهادة الثانوية ليس مجرد خلاف إداري بل هو مساسٌ بجوهر العدالة الوطنية وبفكرة الدولة نفسها ما جرى بشأن طلاب ولاية جنوب دارفور النازحين إلى ولاية النيل الأبيض يثير أسئلة مؤلمة حول معنى التضامن بين ولايات السودان في زمن المحنة فبدلاً من أن تُفتح الأبواب أمام الطلاب الذين فقدوا المأوى والوثائق والذكريات وبدلاً من أن يُحتضن المعلمون الذين حملوا رسالتهم رغم النزوح تحوّل الأمر إلى ساحة اشتراطات إجرائية ومكاتبات متبادلة وقرارات أفضت إلى حرمانٍ وتضييقٍ وسحب صلاحيات إن امتحان الشهادة الثانوية ليس شأناً ولائياً ضيقاً بل هو استحقاق قومي تشرف عليه وزارة التربية والتعليم الاتحادية عبر مجلس امتحانات السودان وأي توجيهات أو مخرجات صادرة عن اجتماع وزراء التربية بشأن تمكين الطلاب المتأثرين بالحرب من الجلوس للامتحان بإفادات رسمية ينبغي أن تُحترم بروح المسؤولية الوطنية لا أن تُقابل بالتشكيك أو التعطيل

الطلاب النازحون من جنوب دارفور لم يختاروا النزوح ولم يختاروا أن يفقدوا أوراقهم الثبوتية ولم يختاروا أن تتعطل مدارسهم إنهم ضحايا ظرفٍ وطني أكبر من الجميع ومع ذلك يجدون أنفسهم مرة أخرى أمام حواجز إدارية تقف بينهم وبين مستقبلهم أي رسالة نبعث بها إلى جيلٍ كامل حين نقول له الحرب أخذت منكم كل شيء… وسنأخذ منكم حقكم في الامتحان أيضاً؟ الأمر لا يقف عند الطلاب وحدهم بل يمتد إلى المعلمين الذين تم تكليفهم بأعمال الكنترول والمراقبة وفق مخاطبات رسمية من وزارة التربية بولاية جنوب دارفور استناداً إلى تصديقات اتحادية سحبهم واستبدالهم والتشكيك في أمانتهم العلمية وخصم مستحقاتهم كل ذلك يبعث برسالة سالبة تمس كرامة المعلم قبل أن تمس جيبه والمعلم الذي ظل يؤدي واجبه في أحلك الظروف يستحق التقدير لا الإقصاء ليست القضية صراعاً بين ولايتين ولا ينبغي أن تُختزل في شخصٍ أو منصب فالعلاقة الاجتماعية والتاريخية بين مجتمع النيل الأبيض ومجتمع جنوب دارفور أعمق من أن تهزها أزمة امتحانات أبناء بحر أبيض ظلوا على مستوى المجتمع سنداً لإخوانهم النازحين وقدموا من المبادرات الإنسانية ما يبرهن أن السودان ما زال بخير ما دام شعبه متراصاً لكن المسؤولية الرسمية شيء آخر حين تُغلّب القراءة الضيقة للوائح على روحها وحين يُتجاهل مقصد القرار الاتحادي الذي هدف إلى حماية حق الطلاب المتأثرين بالحرب فإننا نكون قد انتقلنا من إدارة الأزمة إلى صناعتها إن نقل مراكز الامتحان إلى ولاية أخرى أكثر تعاوناً لا ينبغي أن يُقرأ كتصعيد بل كخطوة اضطرارية لحماية حق الطلاب في ظرفٍ استثنائي غير أن السؤال الأكبر يبقى قائماً لماذا نصل إلى هذه المرحلة أصلاً؟ ولماذا يُدفع الطلاب ثمن خلافات إدارية كان يمكن حلها بروح الشراكة والتنسيق؟ السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى خطاب وطني جامع وإلى مسؤولين يدركون أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن كل قرار يصدر منهم قد يرسم مصير مئات الأسر امتحان الشهادة ليس ورقة إجابة فحسب إنه بوابة جامعة ومنحة دراسية ووظيفة مستقبلية وأمل أسرة بأكملها إن حماية حق الطلاب النازحين في التعليم ليست منّة من أحد بل واجب دستوري وأخلاقي والتاريخ لن يذكر التفاصيل الإجرائية لكنه سيسجل بوضوح من وقف مع الطلاب في محنتهم ومن وضع العراقيل في طريقهم.

في زمن الحرب قد تُفقد المدن لكن لا ينبغي أن نسمح بفقدان القيم

وإذا كان الوطن واحداً حقاً فإن مستقبل أبنائه يجب أن يكون واحداً أيضاً… بلا تمييز، ولا تعقيد، ولا حسابات ضيقة.