مؤتمر ميونخ للأمن والتحول نحو نظام عالمي جديد

سعد محمد عبدالله

يشهد العالم في السنوات الأخيرة حالةً متصاعدة من الإضطراب الجيوسياسي والإقتصادي الذي أثّر على التنمية بشكلٍ واضح، الأمر الذي جعل النقاش حول مستقبل النظام الدولي أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى، ويأتي مؤتمر ميونخ للأمن كأحد أهم المنصّات العالمية التي تُناقش فيها قضايا الأمن والإستقرار والتحولات الكبرى في بنية القوة الدولية، وفي ظل هذا الواقع المعقد والإنهيار الكبير في عالمنا اليوم، تبرز أهمية مشاركة السودان، الذي يعيش حربًا داخلية شعواء ذات إمتدادات إقليمية ودولية، وتسعى الحكومة إلى إيجاد حلٍ منصفٍ للأزمة القائمة، والتموضع بحجم ومنطق التاريخ والجغرافيا والموارد ضمن منظومة عالمية يُعاد تشكيلها من جديد.

يكتسب مؤتمر ميونخ للأمن أهميةً متزايدة في ظل التحولات الدولية المتسارعة، وتبرز أهميته بصورة خاصة بالنسبة للسودان، الذي يشارك وفده هذا العام بقيادة رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس؛ إذ يقدّم الوفد السوداني عرضًا عن جذور الحرب الدائرة في البلاد، بما في ذلك الأسباب الداخلية المعقدة والتقاطعات الإقليمية والدولية التي ساهمت في تعقيد المشهد؛ كما يسعى السودان، عبر هذا المنبر العالمي، إلى لفت الإنتباه إلى التحالفات الإستراتيجية التي تعيد تشكيل موازين القوى في عالمٍ شديد التوتر، وما يمكن أن ينتج عنها من سياسات إقتصادية عادلة ومنصفة للدول النامية.

من منظورٍ تاريخي، فإن ملامح التحول في النظام العالمي ليست جديدة؛ فقد برز التنافس الإقتصادي بين القوى العظمى في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين بين بريطانيا وفرنسا من جهة، وقوى صاعدة مثل ألمانيا وإيطاليا واليابان من جهةٍ أخرى، وفي تلك الحقبة المعقدة ظهرت نظريات مؤثرة في مجال الجغرافيا السياسية، مثل نظرية «قلب الأرض» ونظرية «حافة الأرض»، التي فسّرت توزّع القوة الجيوسترإتيجية وحددت مناطق السيطرة المحتملة بين القوى المتنافسة، أي بمعنى تلك المستعمرات التي سطت عليها الأحلاف الكبرى عنوة، وما زالت آثار سياساتها باقية، خاصة في أفريقيا.

بناءً على تلك السياقات التاريخية، تشكّلت منظومات دولية كبرى خلال الحرب الباردة، من أبرزها حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949م بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، في مقابل حلف وارسو المؤسَّس عام 1955م بقيادة الإتحاد السوفيتي، وكان الهدف من هذه الكُتل الكبرى إحداث توازن بين أقطاب الشرق والغرب، إلى جانب الإتفاق على إنشاء الأمم المتحدة كمنظومة دولية لإدارة شؤون العالم والحفاظ على المصالح ونقاط النفوذ السياسي والإقتصادي، والتي إنبثقت عنها وكالات متخصصة ومتعددة المهام، مع بروز إتحادات قارية لتعزيز التعاون الإقليمي.

لقد إنحصر جوهر الصراع بين هذه الأحلاف الكبرى في التنافس والتسابق على مناطق النفوذ في أفريقيا وقاراتٍ أخرى تعاني من الفساد والهشاشة الأمنية، وكذلك السيطرة على مجالات التكنولوجيا والموارد الإقتصادية في الدول النامية والضعيفة، ومع مرور الزمن وإتساع الهوة بين الأحلاف وإنهيار الحكومات، أدى ذلك إلى إنتاج نظام عالمي غير عادل، شهدت خلاله الإنسانية إنتشار الحروب الممولة من قِبل بعض الأنظمة الدكتاتورية الخارجة عن القانون الدولي، وتفاقم الفقر والمجاعة، وإشتداد أثر التغير المناخي، إلى جانب أزمات الأمن الغذائي والمائي والكوارث الإنسانية المتلاحقة التي جعلت العالم مكانًا مظلمًا قد لا يصلح للحياة في المستقبل.

في إطار هذا الواقع المعقد، جاء النقاش داخل مؤتمر ميونخ هذا العام ليعكس حالةً من القلق الدولي حيال وضعية الإظلام العالمي الذي حجب رؤية المستقبل؛ فقد تابع كثير من المشاركين حواراتٍ جادة ومعمّقة تتحدث بوضوح عن أن النظام العالمي الحالي أصبح معطوبًا وغير قادرٍ على العمل بفعالية، وأنه فقد الكثير من مصداقيته أمام شعوب العالم؛ ولذلك طُرحت دعواتٌ صريحة لإعتماد نظامٍ عالمي جديد ومتنوع يقوم على مبادئ الحرية والسلام والعدالة الإقتصادية والإجتماعية، ويستجيب لتوازنات القوى الجديدة وتحديات القرن الحادي والعشرين.

من هنا، فإن مشاركة السودان في هذا المؤتمر تحمل بُعدًا مهمًا لا يمكن غض الطرف عنه في تحليل المشهد العالمي الذي يتشكل الآن، ليس فقط لعرض قضيته الوطنية الشائكة، بل للمساهمة الفاعلة في النقاشات العالمية الجارية حول مستقبل الأمن الدولي والنظام الإقتصادي العالمي، فالسودان، بموارده الهائلة وموقعه الجغرافي المميز وتحدياته الراهنة، يمثل نموذجًا للدول التي تحتاج ـــ وربما تستحق ـــ نظامًا دوليًا أكثر عدالةً وتوازنًا وتعاونًا على قاعدة المصالح المشتركة، بما يضمن لها حقها في التنمية والإستقرار، ويعيد بناء علاقاتها الإستراتيجية على أسسٍ أكثر وضوحًا وإنصافًا مما هو قائم الآن.

إن النظر إلى الأزمات المتصاعدة في السودان ومناطق أخرى في أفريقيا، والتحولات الجارية في بنية النظام الدولي، يجعل مؤتمر ميونخ للأمن منصةً حاسمة لرسم ملامح المستقبل، وفي ظل الدعوات المتزايدة لإعادة بناء منظومة عالمية جديدة متعددة الأقطاب وأكثر مرونةً وعدالة، يصبح من الضروري أن تجد الدول المتأثرة بسياسات أحلاف العالم القديم والصراعات المحتدمة بسببها، مثل السودان، صوتًا مسموعًا ورؤيةً معترفًا بها في مسار صياغة هذا النظام الجديد؛ فعالم اليوم يتجه نحو مرحلة إعادة التشكيل، والسؤال الحقيقي هو: “هل ستكون هذه المرحلة فرصةً لإصلاح الماضي، أم مدخلًا لتكرار أخطائه”؟.