بين القانون والعدالة.. أسئلة مشروعة في قضية الصحفية رشان أوشيعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

إن مقالي اليوم أبعث به إلى السادة وزير العدل الدكتور عبد الله محمد درف ورئيس القضاء مولانا عبد العزيز فتح الرحمن عابدين والنائب العام المستشارة إنتصار أحمد عبد العال مخاطباً ضمائرهم القانونية والمهنية وراجياً أن نجد لديهم إجابات واضحة وشافية حول جملة من الأسئلة التي أثارتها قضية الصحفية رشان أوشي والتي تحولت من مجرد دعوى جنائية إلى قضية رأي عام تمس مستقبل الحريات الصحفية وسيادة حكم القانون وحدود العلاقة بين السلطة والعدالة والصحافة في السودان المعلوم قانوناً ووفق المبادئ الدستورية الراسخة أن القوانين السارية لا تلغى ولا تعدل إلا عبر السلطة التشريعية المختصة أي البرلمان أو بموجب مراسيم دستورية تصدرها السلطات الحاكمة وفق الكيفية التي تحددها الوثيقة الدستورية أو أي وثيقة تقوم مقام الدستور وبما أن ذلك لم يحدث بشأن قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009م فإن هذا القانون يظل قانوناً نافذاً وواجب التطبيق وملزماً لجميع مؤسسات العدالة وأجهزة الدولة وقد إستقر الفقه القانوني والقضاء المقارن على أن القانون الساري هو التشريع النافذ الذي يبدأ تطبيقه من تاريخ نشره أو من التاريخ المحدد داخله ويظل واجب الإحترام والتنفيذ إلى أن يتم إلغاؤه أو تعديله أو إستبداله بإجراءات قانونية صحيحة ومعلومة وبناءاً على ذلك فإن قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009م ما يزال قائماً بكامل حجيته القانونية بما يتضمنه من حقوق وضمانات وحصانات إجرائية منحت للصحفيين حمايةً لهم من التعسف وصوناً لإستقلال المهنة وإيماناً بالدور الرقابي الذي تؤديه الصحافة في كشف الفساد وخدمة الرأي العام ومن أبرز هذه الضمانات ما نصت عليه المادة (25) من القانون والتي قررت بصورة واضحة عدم جواز القبض على الصحفي أو توقيفه في أي تهمة تتصل بممارسته لمهنته إلا بعد إخطار اتحاد الصحفيين السودانيين كتابةً وأخذ الإذن وفق الإجراءات المنصوص عليها قانوناً وهنا يبرز السؤال الجوهري هل تم إعمال هذا النص في قضية الصحفية رشان أوشي؟ وهل جرى إخطار اتحاد الصحفيين السودانيين وفق ما يقتضيه القانون؟ أم تم تجاوز هذا الضمان الإجرائي بصورة تفرغ النص القانوني من مضمونه وتهدر الغاية التي شرع من أجلها؟ إن الإجابة على هذا السؤال ليست مسألة شكلية أو إجرائية بسيطة بل تتعلق بجوهر العدالة نفسها لأن أي إجراء يتخذ بالمخالفة لضمانات القانون يثير شبهة البطلان ويضع القضية كلها أمام تساؤلات مشروعة تتعلق بسلامة الإجراءات وعدالة المحاكمة ثم إن القانون ذاته وضع استثناءاً وحيداً يتعلق بحالات التلبس وهي الحالات التي ترتكب فيها الجريمة بصورة آنية ومباشرة بحيث يضبط المتهم أثناء إرتكاب الفعل أو عقب وقوعه مباشرة وهنا يثور سؤال قانوني بالغ الأهمية هل يمكن اعتبار منشور صحفي أو رأي مكتوب على وسائل التواصل الاجتماعي حالة تلبس وفق المفهوم القانوني المستقر؟ وكيف يمكن توصيف فعل النشر الإلكتروني باعتباره جريمة متلبساً بها بعد مرور الزمن وتداول المحتوى على نطاق واسع؟ إن التوسع في تفسير حالات التلبس يهدد الضمانات الدستورية ويحول الإستثناء إلى قاعدة وهو أمر بالغ الخطورة في القضايا المتعلقة بحرية التعبير والصحافة

ولم تتوقف الضمانات القانونية عند هذا الحد بل أكد قانون الصحافة كذلك على حق الصحفي في حماية مصادر معلوماته وعدم إجباره على الكشف عنها إلا في الحالات التي تتعلق بالأمن القومي ووفقاً لما يحدده القانون ومن هنا يبرز سؤال آخر مشروع هل تدخل قضية الصحفية رشان أوشي ضمن القضايا التي تمس الأمن القومي حتى يقيد فيها هذا الحق القانوني؟أم أن الأمر يتعلق بمادة صحفية تدخل في نطاق النقد العام وكشف المعلومات وتداول الرأي؟ فقد نسب إلى الشاكي الضابط المحال إلى التقاعد المقدم عبدالمطلب محمد أحمد قوله إن (المحكمة منحت المتهمة كامل الحق في الدفاع عن نفسها لكنها تمسكت بعدم الكشف عن المصدر الذي زودها بالمعلومات) وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً هل تحولت القضية من بحث في صحة الوقائع المنشورة إلى محاكمة للصحفية بسبب تمسكها بحق قانوني كفله لها قانون نافذ؟وهل يعد الإصرار على حماية المصدر جريمة رغم أن المشرع نفسه إعتبر ذلك أحد أهم ضمانات العمل الصحفي؟ ثم ماذا عن قرار فصل الشاكي أو إحالته إلى التقاعد؟ هل جاء القرار نتيجة لما ورد في المقال الصحفي؟ أم أن إجراءات الفصل سبقت النشر وكانت تستند إلى أسباب أخرى؟ إن ترتيب الوقائع هنا ليس تفصيلاً هامشياً بل عنصر أساسي في فهم حقيقة القضية لأنه قد يكشف للرأي العام خيوطاً مهمة تتعلق بمدى صحة المعلومات المنشورة من الأصل وفي السياق ذاته يبرز سؤال أخلاقي وقانوني بالغ الحساسية إذا كان مجرد منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يكفي لإثارة الإتهام والإدانة المعنوية فماذا عن الاتهامات العلنية التي وجهت إلى القاضي نفسه من قبل الصحفي عطاف عبد الوهاب التوم الداعم للشاكي عبر صفحته على فيسبوك ؟ وهل يمكن وفق ذات المنطق أن تبنى قرارات مهنية أو قضائية على منشورات وإتهامات غير محققة؟ إن هذه الأسئلة لا تطرح دفاعاً عن شخص بعينه ولا بقصد مصادرة حق التقاضي المكفول للجميع وإنما دفاعاً عن مبدأ سيادة القانون وعن ضرورة إحترام الضمانات التي وضعها المشرع بنفسه لأن العدالة لا تقاس فقط بنتائج الأحكام وإنما كذلك بسلامة الإجراءات وعدالة المحاكمة وتكافؤ الفرص بين الخصوم والأمر الذي يزيد القضية تعقيداً أن الشاكي بحسب ما هو متداول تم فصله أو إحالته إلى التقاعد دون توضيح رسمي للرأي العام ودون بيان الأسباب القانونية والإدارية التي استند إليها القرار رغم أن القضية أصبحت قضية رأي عام ترتبط بحرية الصحافة وشفافية مؤسسات الدولة ومن هنا يصبح من واجب وزارة الداخلية أن توضح للرأي العام أسباب إحالة الضابط إلى التقاعد فإذا كان القرار قد اتخذ بسبب المقال الذي نشرته الصحفية رشان أوشي فإن العدالة تقتضي الإعتذار للشاكي وإعادته إلى الخدمة ومنحه كامل حقوقه المادية والمعنوية لأن العقوبات الإدارية لا ينبغي أن تبنى على إتهامات لم تثبت قضائياً أو حتى لدي لجنة تحقيق خاصة أما إذا كانت إجراءات التقاعد أو الفصل مرتبطة بصحة المعلومات التي وردت في ما كتبته الصحفية فإن إدانتها تصبح ظلماً بيناً ورسالة خطيرة تعني عملياً معاقبة الصحفي على كشف معلومات صحيحة وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام تكميم الأفواه وترهيب الصحفيين وإضعاف الدور الرقابي للصحافة إن الدول لا تبنى بالخوف ولا تدار بإسكات الأقلام وإنما تبنى باحترام القانون وضمان إستقلال القضاء وصون حرية الصحافة باعتبارها إحدى ركائز الدولة الحديثة فالصحافة ليست خصماً للدولة بل شريكاً في الإصلاح وكشف الخلل ومحاربة الفساد وحماية المجتمع من تغول السلطة ومن إساءة استخدام النفوذ كما أن هيبة القضاء لا تتحقق بالصمت المفروض أو بمنع النقاش العام وإنما تتحقق بثقة الناس في عدالة الإجراءات وإستقلال المنصات القضائية ونزاهة التطبيق المتساوي للقانون على الجميع دون إنتقائية أو إزدواجية في المعايير إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن يشعر المواطن بأن النصوص القانونية موجودة على الورق فقط بينما تعطل عند التطبيق أو تستخدم بصورة إنتقائية وفق طبيعة الأشخاص أو الظروف السياسية والإعلامية المحيطة بالقضايا ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته هل ما تزال النصوص القانونية تطبق على الجميع دون انتقائية؟ أم أننا أمام مرحلة تصبح فيها الضمانات القانونية مجرد نصوص معطلة لا تجد طريقها إلى التنفيذ؟ وهل المطلوب من الصحفي أن يكون ناقلاً للبيانات الرسمية فقط أم أن وظيفته الحقيقية هي البحث والتقصي وكشف ما يهم الرأي العام حتى وإن كان ذلك مزعجاً لبعض أصحاب النفوذ؟ إن حماية حرية الصحافة ليست حماية للصحفي وحده بل حماية لحق المجتمع كله في المعرفة وحماية لحق المواطن في مساءلة السلطة وحماية لفكرة الدولة نفسها حين تقوم على القانون لا على الخوف