دكتور محمد عبدالقادر سبيل يكتب: لماذا الحيش السوداني موقر؟

 

لماذا الجيش السوداني موقر؟

د. محمد عبد القادر سبيل

الحقيقة التي كالشمس والتي لطالما أنكرها واستنكرها السياسيون السودانيون، هي أن الشعب يثق في القوات المسلحة ويعول عليها مهما شابها من شائبة أكثر مما يثق بالساسة والأحزاب، حتى لو كان أولئك الساسة ذوي خلفية عسكرية فارقوها واندرجوا في المجتمع المدني.
أرأيتم هذا العجب؟ هذه هي الحقيقة على أية حال.
فمثلاً عبود ١٩٥٨ كان محترماً ومؤيداً أكثر من عبد الله خليل الذي كان قائداً للجيش قبله ثم بات رئيساً للوزراء بعد أن هجر الكاكي وانتمى إلى حزب. هذا عسكري وذاك عسكري، ولكن لماذا يقدم الشعب هذا ويؤخر ذاك؟هل الأمر أمر كاكي؟
الحقيقة: نعم.
في الحقيقة فإن الشعب شغوف بالكاكي الأخضر أيما شغف، حتى حينما كان اليساريون يهيمنون عليه إبان الخمسينات والستينات، كان الهتاف واحداً: جيش واحد شعب واحد، شعب يجل عسكره ويغفر ذنوبه كما يفعل المرء بأبيه مهما يكن، ربما لرمزيته المعبرة عن المؤسسة والوحدة والاستقرار.

قوات الشعب المسلحة، هذه المؤسسة التي ظلت تحترم مؤسسيتها و قد عرفت دائماً في سلوكها بالنزاهة والحسم والانضباط، الأمر الذي ينقص المواطن في حياته الخاصة والعامة ولا يجده إلا فيها.

الجيش في العقل الجمعي السوداني يعني الاستقامة والنظام والقومية وتطبيق القانون بحزم و بدون محسوبية وتمييز عنصري أو تهاون، وهذا أمر غير مضمون المنال حتى في أروقة المحاكم، ناهيك عن الأحزاب، وفوق ذلك يعني المنعة وفرض الأمن ومنع الفوضى وحماية الدولة ومقدراتها دون أن يعارضه أحد. لا خوفاً فقط بل اكباراً واجلالاً، كحال الأب على أية حال.
أما من يريدون أن يمتلكوا حق انتقاده وتأنيبه وتوجيهه أسوة بالمجتمعات المدنية في الغرب ( رغم أني لا أعرف شعباً في العالم يحتقر جيشه ويسعى الى خرابه بالتواطؤ من المستعمر إلا بعض سياسيينا) فأولئك لم يستوفوا عملياً وتنظيميا أدنى رصيد ديمقراطي أو شعبي يؤهلهم لذلك، فهم يعتقدون أن الحقوق السياسية الكبرى هي بمثابة منتجات معلبة يمكن استيرادها من الغرب لاستهلاكها محلياً متناسين وصفات الاستعمال الصحيحة وسوء الهضم اللاحق.
هذه هي صورة العسكري في المخيال الشعبي العريض، ولا يماري في ذلك إلا من يزعم وعياً سياسياً مستعاراً ومنطقاً فلسفياً يحاول أن يقفز فوق الحقائق الماثلة والواقع المتفسخ بالمماحكة والجدل السوفسطائي واللسان الذرب.
ثم سأقول ما هو أعجب ومن خلال التجربة والمشاهدة: فإن المواطن السوداني العادي، أعني محمد أحمد الأغبش هذا، إذا أقبل عليه (جياشي) سواء أكان ضابط جيش أو جندياً مسلحاً في خلاء مظلم، فإنه لا يخشى الدوائر على نفسه ولا ماله ولا عرضه، بينما يخشى على ذلك كله اذا رأى مدنياً مثله في ذات الموقف او رأى نظامياً من الفئات الأخرى.
إذاً فالكاكي الأخضر وحده في هذه البلاد يعد مصدر الأمان والثقة، وأظن أن هذا الرصيد لم يتأت عفواً وضربة لازب، فلقد أنشأته الممارسة والتجاريب المرار بعد أن صنعته تقاليد وثقافة سهرت عليها المؤسسة العسكرية بعقيدتها ومحرماتها الراسخة.
هذا ليس كلام هوى نطلقه على عواهنه، دون ان نملك غيرما برهان عليه، فأقرب دليل تراه العين بياناً اليوم هو لجوء الناس الى حيث يتمركز الجيش أثناء الحرب الجارية والتفاف الشعب حوله إلتفاف السوار بالمعصم حتى قيض الله له النصر المبين رغم تكأكؤ دول ومؤسسات على بلادنا بحجج عجيبة وأعجبها أن تطالب دول معتدية قادتها أنفسهم ضباط جيش ولهم رتب ويريدون منع حكم الجنرالات عندنا، ودول بلا قوى سياسية مدنية تتداول السلطة وتريد لنا نعمة حكم القوى السياسية الديمقراطية.. كلام عجيب!.
دع كل ما سبق.
فسأقول الأهم الآن. إن أهم ما يستحق الجيش السوداني عليه الإحترام في نظري هو أنه يجسد المؤسسة المدنية الوحيدة في السودان، ولا اقول ذلك إلا من منطلق أن المدنية إنما تتحقق إذا كان المجتمع مستقراً متماسكاً وملتزماً بالنظام والقانون وأفراده متساوون أمام هذا القانون ويتسم بالتراتبية المحترمة من جانب الجميع، فضلا عن نبذ الصراعات الثللية والجهوية، وهذا كله غير متأتٍ لأية مؤسسة حزبية أو مدنية في بلادنا ولكنه متوافر بنسبة مقدرة في الجيش ولا أفول ١٠٠%.. ولكن يكفيك أن تنظر الى قمة هرم قيادته لترى ابن الجزيرة بالرتبة ذاتها التي يتقلدها ابن نهر النيل وابن دارفور وابن جبال النوبة دون ان ينفرط الكيان أو يحدث له ما يحدث للأحزاب والكيانات الأخرى من وباء التشظي والنزاع الذي يضرب الأحزاب والتحالفات السياسية يوماً إثر يوم، فهل يشي ذلك إلا بتحقق النظام والمؤسسية في الجيش وهي من اهم خصائص المدنية بينما السيولة والتمرد والفوضي تعد من اهم سمات البداوة والتخلف المدني ومكانها بين المدنيين مكين.
ولعل من أبرز تجليات اللامدنية واللاديمقراطية التي تمتاز بها القوى الحزبية أنها لا تلوي على أحد حينما تطلب السلطة اعتباطاً بشرعية اختلاق الفوضى وتتريس الشوارع ولا تحتكم الى الانتخابات و لكن قد تطلبها بالانقلابات العسكرية التي تشكو منها حينما يصنعها الغير، فأية مدنية بعد هذا؟ هل المدنية هي تلك التي تجسدها تحالفات المدنيين من المليشيات من اجل محاربة استقرار المجتمع المدني وحقوقه والتمرد على الدولة ومؤسساتها؟
للحق، إننا لا نقول ما نقول والجيش السوداني في أفضل حالاته ، فما دام أنه لا يحتكر العنف والسلاح وتحيط به عشرات المليشيات المستقلة عن عقيدته والمدعومة من الخارج بقوة، ومادامت المؤسسات الحزبية التي تفشل في تحقيق ذاتها كمؤسسات مدنية راسخة ومستقرة وتعجز عن تحقيق تماسكها بل وتفشل في تبني رؤية راكزة واكتساب قواعد شعبية تثق بها وتدعمها .. مادام الجيش يتعرض لهجوم واحتقار تلك الكيانات المضطربة والمعتمدة على الأجانب لكي يهزموا لهم جيشهم فهو إذاً ليس في أفضل حالاته.
ولكن رغم ذلك يبقى هو أفضل المتاح وعظم ظهر الدولة ويظل المؤسسة المدنية الوحيدة في السودان بناء على معايير المدنية التي ذكرناها آنفاً مقارنة بغيره. ويبقى هو بالمقارنة الاكثر إحتراماً في نظر الشعب من الأحزاب والمؤسسات الأخرى قاطبة، رغم كل ما يعتوره من مثالب. على أنه ورغم كل ماقلنا ، فلابد من الإقرار أنه: إذا كان جيش واحد يعني شعباً واحدا. فإن أكثر من جيش ينتج بالضرورة والمنطق أكثر من شعب فحذار من اطالة أمد هذا الوضع حتى لا يتطبع فيؤلف . وا نميرياه..