في ضيافة الشيخ موسى هلال.. قراءة في شخصية صنعت جانباً من تاريخ دارفور المعاصر (1)

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

تشرفنا ضمن وفد رابطة صحافيي وإعلاميي كردفان ودارفور بالجلوس إلى الشيخ موسى هلال عبد الله في لقاء اجتماعي اتسم بالبساطة ورفع الكلفة أقرب إلى جلسة أنس منها إلى لقاء رسمي وفي أجواء اتسمت بالصراحة والانفتاح فتح الشيخ قلبه لأبنائه وتحدث بصدق عن عدد من القضايا والملفات التي شغلت السودان وفي مقدمتها الحرب الدائرة مستعرضاً رؤيته لأسبابها وخلفياتها وتداعياتها كما قدم تصوره لمستقبل البلاد من موقعه كزعيم أهلي ورئيس لحزب سياسي ولا شك أن الجلوس مع شخصية بحجم الشيخ موسى هلال يمثل فرصة مهمة لأي صحفي أو باحث أو كاتب رأي يسعى إلى فهم تعقيدات المشهد الدارفوري فالرجل ظل لعقود أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في التوازنات القبلية والسياسية والأمنية في الإقليم سواء اتفق الناس معه أو اختلفوا حول مواقفه ولد الشيخ موسى هلال عام 1961 في دامرة الشيخ علي الواقعة على بعد بضعة كيلومترات غرب مدينة كتم بولاية شمال دارفور وهو متزوج وله ثلاثة عشر ابناً وتولى زعامة فخذ المحاميد خلفاً لوالده الشيخ هلال عبد الله النسيم الذي كان من قيادات الإدارة الأهلية ومنتمياً إلى حزب الأمة القومي بزعامة الإمام الصادق المهدي وتنتمي قبيلة المحاميد إلى قبيلة الرزيقات العربية التي خرج منها لاحقاً عدد من أبرز قادة وعناصر مليشيا الدعم السريع الأمر الذي جعل الشيخ موسى هلال جزءاً من معادلة سياسية وأمنية معقدة في دارفور خاصة مع التحولات التي شهدها الإقليم خلال العقدين الماضيين وشهدت العلاقة بين الشيخ موسى هلال ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) تحولاً جذرياً بعدما انتقلت من التقارب إلى خلافات عميقة انتهت بمواجهة عسكرية مباشرة ويرى مؤيدو الشيخ هلال أن موقفه الرافض للسياسات التي انتهجتها الدعم السريع سبق اندلاع الحرب الحالية بسنوات وأنه كان من أوائل الشخصيات التي حذرت من تنامي قوة مستقلة عن المؤسسة العسكرية وفي يوليو 2017 أعلن الشيخ موسى هلال رفضه لحملة جمع السلاح التي نفذتها الحكومة آنذاك في دارفور معتبراً أنها تستهدف قواته بصورة انتقائية وأنها ستؤدي عملياً إلى ترجيح كفة قوة أخرى على حساب التوازن القائم بين مكونات الإقليم وفي المقابل أكدت الحكومة حينها أن حملة جمع السلاح كانت جزءاً من سياسة عامة لبسط هيبة الدولة وإنهاء انتشار السلاح خارج القوات النظامية وتصاعدت الأزمة حتى بلغت ذروتها في 28 نوفمبر من عام 2017 عندما اندلعت مواجهات عنيفة في منطقة مستريحة بين قوات موالية للشيخ موسى هلال والدعم السريع وتشير الروايات المتداولة إلى وجود تفاوت كبير في حجم القوات المشاركة إذ خاض الشيخ هلال المواجهة بعدد محدود من العربات القتالية مقارنة بالقوة الكبيرة التي دفعت بها الدعم السريع وانتهت المعركة بسيطرة الأخيرة على المنطقة واعتقال الشيخ موسى هلال وعدد من أبنائه وقيادات مجلس الصحوة الثوري وأعقب ذلك نقله إلى الخرطوم مكبل اليدين أمام عدسات وسائل الإعلام في مشهد أثار اهتماماً واسعاً داخل السودان وخارجه وخضع بعد ذلك لإجراءات ومحاكمة عسكرية ووجهت إليه اتهامات شملت تقويض النظام الدستوري وحمل السلاح في مواجهة الدولة ومخالفة الأوامر العسكرية وفي 11 مارس 2021 أُفرج عن الشيخ موسى هلال بعد أكثر من أربع سنوات من الاحتجاز وذلك عقب قرار بالعفو صدر عن مجلس السيادة ترتب عليه شطب الدعوى الجنائية الموجهة إليه كما شمل قرار الإفراج أربعة من أبنائه وسبعة من قيادات مجلس الصحوة الثوري وبعد إطلاق سراحه ظلت عودته إلى دارفور محل جدل سياسي وأمني وسط تقارير تحدثت عن قيود حالت دون عودته للإقليم خلال تلك الفترة في ظل النفوذ الواسع الذي كانت تتمتع به الدعم السريع قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023 وتكتسب شهادة الشيخ موسى هلال اليوم أهمية خاصة لأنها تصدر عن شخصية كانت في قلب الأحداث وعاصرت مراحل متعددة من الصراع في دارفور بدءاً من النزاعات القبلية مروراً بالحرب ضد الحركات المسلحة ثم الخلاف مع الدعم السريع وصولاً إلى الحرب الراهنة وبغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهه فإن الاستماع إلى روايته يمثل جزءاً مهماً من توثيق التاريخ السياسي والعسكري للسودان إذ إن فهم الأزمات الكبرى لا يكتمل بالاعتماد على رواية واحدة وإنما يقتضي الاستماع إلى مختلف الأطراف الفاعلة ثم إخضاع تلك الروايات للتحليل والمقارنة والاستناد إلى الوقائع الموثقة لقد كان ذلك اللقاء أكثر من مجرد زيارة اجتماعية فقد كان نافذة للاطلاع على رؤية أحد أبرز الفاعلين في تاريخ دارفور الحديث وفرصة لتسجيل شهادات قد تسهم مستقبلاً في كتابة تاريخ هذه المرحلة المعقدة من تاريخ السودان بقدر أكبر من الدقة والإنصاف.