الدكتورة زينب الربيع… حين ترحل القامات يزداد الوطن يُتماً

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

ثمة أشخاص لا يغيبون حين تتوقف قلوبهم عن النبض وإنما يغيبون حين يعجز الزمان عن أن يُنبت أمثالهم وثمة أسماء لا تُكتب في صفحات الوفيات وإنما تُكتب في ذاكرة الأوطان والدكتورة زينب الربيع واحدة من أولئك الذين عاشوا للناس أكثر مما عاشوا لأنفسهم فكان رحيلها وجعاً عاماً لا يخص أسرتها وحدها بل يمتد إلى كل من عرفها وإلى كل من لامس أثرها وإلى جنوب دارفور التي فقدت واحدة من أنبل بناتها رحلت الدكتورة زينب لكنها تركت وراءها سيرةً تفيض بالعلم والعطاء والخلق الرفيع وتركت ذكراً طيباً سيظل حاضراً كلما ذُكر الصدق في العمل والإخلاص في خدمة الناس والثبات على المبادئ ولدت في بيتٍ لم يكن العلم فيه طارئاً ولا الدين زينةً اجتماعية بل كانا منهج حياة فهي سليلة أسرة آل الربيع تلك الأسرة التي ارتبط اسمها بالعلم والفقه والدعوة وتعاقب عدد من رجالها على إمامة مسجد نيالا العتيق أحد أعرق وأكبر مساجد جنوب دارفور فكان المسجد منارةً للعلم وكانت الأسرة مناراتٍ تمشي بين الناس تعلمهم وتوجههم وتغرس فيهم قيم الاعتدال والفضيلة

ولم يتوقف عطاؤهم عند حلقات العلم ومنابر المساجد بل امتد إلى رحاب الفكر والثقافة والإعلام فأنجبت الأسرة شخصيات تركت بصماتها في الحياة العامة ومنهم الراحل الأستاذ عبد الحي الربيع والدكتور عبد الله الربيع وغيرهما ممن أسهموا في إثراء الحياة الثقافية والإعلامية حتى غدت أسرة آل الربيع واحدة من الأسر التي ارتبط اسمها بخدمة المجتمع قبل البحث عن المكانة

ولم يكن ذلك العطاء حكراً على جيل بعينه فقد خرج من هذه الأسرة معلمون ومعلمات وأطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وإداريون وقادة مجتمع ورموز وطنية حملوا رسالة البناء في المدارس والمستشفيات والجامعات والمؤسسات العامة وقدموا الكثير لمجتمع جنوب دارفور حتى أصبحت الأسرة مدرسةً متكاملة في العلم والعمل والخدمة العامة لا تُعرف بما تملك وإنما بما قدمت ومن هذا الإرث الكبير خرجت الدكتورة زينب الربيع فكانت خير امتداد لأسرتها وخير من حمل رسالتها عملت أستاذة بجامعة نيالا فساهمت في إعداد أجيال من الطلاب ولم تكن تمنحهم المعرفة وحدها بل كانت تغرس فيهم قيم المسؤولية والانتماء والأخلاق ثم انتقلت إلى ميدان العمل العام فكانت عضواً بالمجلس التشريعي لولاية جنوب دارفور وهناك عُرفت بصوتها الواضح ومواقفها الصلبة وتمسكها بمبادئها لم تعرف المساومة طريقاً إليها ولم تغير قناعاتها تبعاً للمصالح أو تبدل الأحوال فكانت تؤمن بأن الكلمة أمانة وأن الموقف شرف وأن المسؤولية لا تستقيم إلا بالصدق مع النفس والناس وعندما تقلدت حقيبة وزارة الرعاية الاجتماعية لم تنظر إليها باعتبارها منصباً يمنح الوجاهة وإنما باعتبارها مسؤولية ثقيلة تجاه الفقراء والمساكين لذلك اتجه اهتمامها إلى الفئات التي كثيراً ما ظلت خارج دائرة الضوء وعلى رأسها الأطفال المشردون والنساء العاملات والأسر الضعيفة فكانت ترى أن قيمة الدولة تُقاس بقدرتها على رعاية أضعف مواطنيها وأن المسؤول الحقيقي هو من يخفف آلام الناس قبل أن يبحث عن الثناء ولم يكن عطاؤها الإداري منفصلاً عن أخلاقها الإنسانية فقد عُرفت بمواقفها الوطنية المشرفة وبكرمها الأصيل وبسماحة نفسها وبحرصها على جمع الناس لا تفريقهم وعلى بناء الجسور لا المتاريس وكانت تؤمن بأن الأخلاق ليست حديثًا يُقال وإنما ممارسة يومية يلمسها كل من يقترب منها ولذلك ظلت سيرتها بين الناس أنصع من أي منصب تولته وأبقى من أي لقب حملته حتى أصبحت قدوةً في النزاهة والعطاء والوفاء والقيم التي يُحتذى بها وعلى المستوى الأسري كانت شريكة حياة للدكتور محمد العاجب إسماعيل القانوني والسياسي والمثقف المعروف وأحد الشخصيات التي جمعت بين الفكر والرياضة والفروسية وأسسا معاً بيتاً قام على العلم والخلق وأثمرا أبناءً وبنات ساروا على نهج الأسرة في التفوق والعطاء ليظل البيت امتداداً طبيعياً لرسالة العلم والخدمة التي آمنت بها الأسرة منذ أجيال ثم جاءت الحرب… تلك الحرب التي لم تكتفِ بهدم البيوت ولا بتشريد الملايين ولا بإطفاء أنوار المدن وإنما مضت تسرق من السودان أجمل وجوهه وأكثرها إخلاصاً فشاء القدر أن ترحل الدكتورة زينب بعيداً عن نيالا التي أحبتها وأحبت أهلها وأفنت سنوات عمرها في خدمتهم رحلت في القاهرة وهي تتلقى العلاج وكأن الحرب أرادت أن تضيف إلى الموت غربة وإلى الفقد لوعة وإلى الحزن وجعاً جديداً وما أقسى أن يرحل الإنسان بعيداً عن مدينتها فلا تودعها الشوارع التي عرفتها ولا يحتضنها التراب الذي أحبت السير عليه ولا يسمع في لحظاتها الأخيرة أصوات الذين أفنى عمرها وهو يخفف عنهم أوجاع الحياة لقد لمست الحرب حتى لحظات الوداع الأخيرة فحرمت نيالا من أن تضم ابنتها البارة في أيامها الأخيرة وحرمت أهلها من وداع امرأة كانت جزءاً من وجدان المدينة إن رحيل الدكتورة زينب الربيع ليس خسارة لأسرة آل الربيع وحدها ولا للدكتور محمد العاجب إسماعيل وأبنائهما وبناتهما فقط وإنما هو خسارة لجنوب دارفور ولجامعة نيالا وللعمل العام ولكل من آمن بأن الأخلاق يمكن أن تجتمع مع المسؤولية وأن السلطة يمكن أن تكون وسيلة لخدمة الناس لا للتسلط عليهم.

فالناس يرحلون لكنهم يختلفون فيما يتركون خلفهم بعضهم يترك المناصب فتزول بانتهاء زمانها وبعضهم يترك المال فيتقاسمه الورثة أما أصحاب الرسالات فيتركون سيرةً طيبة وذكراً حسناً ومحبةً صادقةً في قلوب الناس وذلك هو الإرث الذي لا تبليه السنون

رحم الله الدكتورة زينب الربيع رحمةً واسعة وجعل ما قدمته من علم وخدمة وإحسان ومواقف وطنية وإنسانية في ميزان حسناتها وألهم زوجها المكلوم الدكتور محمد العاجب إسماعيل وأبناءها وبناتها وأسرة آل الربيع الكريمة وأهل جنوب دارفور جميعاً جميل الصبر وحسن العزاء

لقد غابت زينب الربيع عن الدنيا لكنها ستبقى حاضرة في ذاكرة مدينةٍ أحبتها وفي قلوب أناسٍ أحبتهم وفي تاريخ وطنٍ لا ينسى أبناءه المخلصين

(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)