ضل الحراز
ميثاق التآخي الاجتماعي.. هل يستطيع النظام الأهلي إنقاذ السودان من حربٍ أخرى؟
بقلم علي منصور حسب الله
في ظل الحرب التي أنهكت السودان وأثقلت كاهل شعبه وأحدثت من الانقسامات الاجتماعية والسياسية والقبلية ما لم يكن يخطر على بال أحد تبرز بين الحين والآخر مبادرات أهلية تسعى إلى البحث عن مخرج سوداني من الأزمة ليس فقط لإيقاف الحرب وإنما لمعالجة آثارها العميقة ومنع البلاد من الانزلاق إلى اتون حرب أخرى قد تكون أكثر خطورة من الحرب الحالية وفي هذا السياق طرحت هيئة شورى قبيلة الزغاوة مبادرة أو قل ميثاقاً اجتماعياً لجمع أغلب مكونات المجتمع السوداني حول فكرة أساسية تقوم على التآخي الاجتماعي وترميم ما تصدع في النسيج الوطني وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني ولعل ما يمنح هذه المبادرة أهمية خاصة أن طرحها لم يظل محصوراً في إطار قبيلة أو مكون اجتماعي بعينه وإنما أخذ منذ خطواته الأولى منحىً وطنياً أوسع انطلاقاً من قناعة مفادها أن السودان لا يمكن أن يخرج من أزمته الراهنة بالحلول العسكرية والسياسية وحدها وأن المعالجة الحقيقية يجب أن تمتد إلى المجتمع نفسه وإلى العلاقات بين مكوناته وقبائله ومناطقه من القرير بدأت الفكرة تتجاوز حدود القبيلة وكانت سرايا نظارة الشايقية بالقرير شاهدة على طرح فكرة المبادرة القائمة على التآخي الاجتماعي بقيادة مولانا محمد بشارة دوسة وزير العدل الأسبق وهو ليس بعيداً عن مثل هذه المبادرات والمشروعات ذات الطابع الوطني والاجتماعي
فقد سبق لمولانا محمد بشارة دوسة أن قاد مبادرة أم جرس لقضايا السلام والتنمية والتعايش وهو ما يمنحه تجربة سابقة في التعامل مع قضايا السلام الأهلي والتقارب بين المكونات الاجتماعية كما أن خلفيته الأسرية والتاريخية تضيف إلى حضوره بعداً آخر فهو حفيد السلطان دوسة عبدالرحمن فرتي الذي ولد عام 1881م وتولى السلطنة خلفاً لوالده السلطان عبدالرحمن فرتي في أواخر عام 1912 بمباركة واعتماد من السلطان علي دينار سلطان دارفور وذلك عقب استشهاد والده وجد مولانا محمد بشارة دوسة واستمر السلطان دوسة عبدالرحمن فرتي في الحكم مدة تقارب 69 عاماً حتى توفي عام 1981م معاصراً بذلك تحولات تاريخية وسياسية كبرى في السودان وإقليم دارفور ثم آلت الأمور إلى والد مولانا محمد بشارة السلطان الراحل بشارة دوسة صاحب الإرث الكبير في معالجات المشاكل بين المكونات الاجتماعية وهذا الإرث التاريخي ليس مجرد تفصيل عائلي وإنما يعكس امتداداً لتجربة اجتماعية وأهلية عريقة في إدارة شؤون المجتمع والتعامل مع قضايا السلم والتعايش وحفظ العلاقات بين المكونات المختلفة عندما تتقدم الشخصيات الكبيرة لتتحمل مسؤوليتها ومن الشخصيات التي لها وزنها وحضورها في هذا الحراك وزير الاستثمار السابق في ولاية جنوب دارفور عبد الرحيم عمر حسن إلى جانب المحامي والبرلماني عمر سليمان رئيس هيئة شورى الزغاوة وآخرين من أصحاب التجارب والمواقع الاجتماعية والسياسية والقانونية إن وجود شخصيات بهذا الحجم والخبرة في مقدمة هذا الحراك يؤكد أن الأمر لا يتعلق بمبادرة عابرة أو اجتماع اجتماعي محدود وإنما بمحاولة جادة لفتح طريق جديد أمام السودانيين عبر الاستفادة من النظام الأهلي والعشائري باعتباره أحد أهم مكونات المجتمع السوداني وأكثرها قدرة على الوصول إلى القواعد الشعبية والتأثير فيها وهنا تكمن أهمية المبادرة فالسودان الذي تمزقت أوصال مجتمعه بفعل الحرب يحتاج إلى أكثر من اتفاق سياسي بين القوى المتحاربة يحتاج إلى مصالحات اجتماعية عميقة وإلى إعادة بناء الثقة بين الناس وإلى إعادة الاعتبار للقيادات الأهلية والمجتمعية التي ظلت، تاريخياً إحدى أدوات ضبط المجتمع ومنع النزاعات من التحول إلى حروب مفتوحة ولذلك فإن المبادرة في جوهرها تحاول أن تضع النظام الأهلي والعشائري في مكانه الطبيعي كجزء من عملية إنقاذ السودان لا باعتباره بديلاً للدولة أو المؤسسات الحديثة وإنما باعتباره جسراً اجتماعياً يمكن أن يساعد الدولة والمجتمع على عبور أخطر مراحل التاريخ السوداني الحديث ولعل أهم ما يحسب لهيئة شورى قبيلة الزغاوة أنها لم تتشبث بملكية المبادرة فقد كان المقترح في بدايته مبادرة من شورى الزغاوة لكن الشورى سرعان ما تجاوزت الإطار الخاص بها وفتحت الباب أمام بقية المكونات لتصبح المبادرة ملكاً لكل أطياف المجتمع السوداني وهذه خطوة ذات دلالة كبيرة فالقبيلة التي تقدم مبادرة وطنية ثم تتنازل عن احتكارها لها وتقبل بأن تتحول إلى مبادرة عامة لكل السودانيين تكون قد فهمت جوهر الأزمة السودانية لأن البلاد لن تنجو إذا ظل كل مكون ينظر إلى نفسه باعتباره صاحب الحق الحصري في المبادرات والحلول ولهذا جاءت الخطوة الأولى من خطوات طرح الميثاق الذي قدمته شورى الزغاوة أولاً كمقترح عندما جمعت في الخرطوم النوبة من الجبال والجموعية من أم درمان والبطاحين من شرق وشمال شرق الخرطوم خاصة مناطق شرق النيل الحاج يوسف أم ضواً بان العيلفون والكواهلة من شرق السودان ووسطه وكردفان والخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض في محاولة لبناء مساحة مشتركة للحوار بعيداً عن الاستقطاب السياسي والعسكري ثم اتسعت الدائرة وأصبح الميثاق بدلاً من أن يكون ميثاقاً لقبيلة أو إقليم أو مجموعة محددة مشروعاً مفتوحاً أمام مختلف أطياف المجتمع السوداني وجاء الإعلان عن المبادرة في ضاحية أركويت في بيت الأستاذ عبدالرحيم عمر حسن بحضور وفود من مكونات اجتماعية متعددة منها
الكواهلة والفور والبني هلبة والتعايشة والميدوب والقمر والبطاحين والجموعية والنوبة بكل ألوانهم وقد تحدث الجميع عن الوضع الحالي في السودان وعن المخاطر التي تهدد البلاد نتيجة الحرب وعن ضرورة العمل على وقف النزيف الاجتماعي والسياسي الذي خلفته ولعل المشهد في حد ذاته يحمل رسالة شديدة الأهمية أن يجلس أبناء مكونات اجتماعية وقبلية مختلفة حول طاولة واحدة في وقت ما زالت فيه البلاد تعاني من آثار حرب أفرزت خطاباً مليئاً بالشكوك والاتهامات والتخوين يمثل في حد ذاته محاولة لكسر الحواجز النفسية التي صنعتها الحرب فالسلام الحقيقي لا يبدأ فقط عندما يوقع القادة على الأوراق وإنما يبدأ عندما يستطيع المواطن العادي أن ينظر إلى الآخر باعتباره شريكاً في الوطن وليس خصماً أو عدواً حتى لو انتهت الحرب غداً ماذا بعد؟ هذه هي النقطة التي يجب أن تتقدم على غيرها حتى لو انتهت الحرب الحالية اليوم سواء عبر اتفاق سياسي أو انتصار للقوات المسلحة فإن الواقع السوداني يفرض على الجميع العمل على تجاوز إفرازات الحرب فالانتصار العسكري مهما كانت ضرورته وأهميته لا يستطيع وحده أن يعيد النازح إلى منزله ولا أن يعيد الثقة بين القبائل والمجتمعات ولا أن يمحو آثار القتل والنزوح والتهجير ولا أن يعالج الاحتقان الذي تراكم خلال سنوات الحرب كما أن الاتفاق السياسي مهما كان شاملاً لن يكون كافياً إذا بقيت القاعدة الاجتماعية ممزقة فالسودان يحتاج بعد الحرب إلى مشروع للمصالحة الوطنية والاجتماعية لا يقل أهمية عن مشروع إعادة الإعمار الاقتصادي والسياسي بل ربما تكون المصالحة الاجتماعية شرطاً لنجاح إعادة الإعمار نفسها فكيف يمكن أن تبني مدرسة في قرية لا يثق أهلها في جيرانهم؟ وكيف يمكن أن تعيد التجارة نشاطها بين مناطق لا تزال تحمل ذاكرة الحرب؟ وكيف يمكن أن تعود المدن والقرى إلى حياتها الطبيعية إذا بقيت المجتمعات تنظر إلى بعضها باعتبارها جماعات متصارعة؟الخطر الأكبر ليس انتهاء الحرب.. وإنما إعادة إنتاجها المشكلة التي يجب أن ينتبه إليها السودانيون أن الحرب الحالية قد تنتهي لكن أسباباً جديدة للحرب قد تولد من رحمها إذا لم تتم معالجة آثارها فالقتل يولد الثأر والنزوح يولد الإحساس بالاقتلاع والدمار يولد الغبن والاستقطاب السياسي يولد الكراهية والخطاب القبلي المتشنج يمكن أن يتحول إلى وقود لصراع جديد وهنا تأتي أهمية ميثاق التآخي الاجتماعي
فالمطلوب ليس أن يجلس الناس للتصالح بعد أن تقع الكارثة وإنما أن يبدأوا منذ الآن في بناء شبكة اجتماعية تمنع تكرارها والسودان لديه في هذا المجال إرث ضخم يمكن البناء عليه فالنظام الأهلي والإدارة الأهلية والعلاقات بين القبائل ومجالس الصلح وأعراف التعايش كلها أدوات يمكن تطويرها لتصبح جزءاً من منظومة وطنية للمصالحة والسلام الاجتماعي فالسودان أكبر من القبيلة والحزب والحركة
أحد أخطر إفرازات الحرب أنها دفعت كثيراً من السودانيين إلى الاحتماء بالهويات الضيقة
وعندما يضعف الانتماء الوطني تتقدم القبيلة والجهة والمنطقة والحزب والحركة المسلحة
لكن المبادرة الحالية يمكن أن تنجح إذا قدمت نموذجاً مختلفاًوأن تكون القبيلة جسراً إلى الوطن لا بديلاً عنه
فالزغاوة لا تحتاج إلى أن تتخلى عن هويتها حتى تكون سودانية كما أن الفور أو البني هلبة أو التعايشة أو الكواهلة أو البطاحين أو الجموعية أو النوبة لا يحتاجون إلى التخلي عن خصوصياتهم الاجتماعية والثقافية المطلوب هو أن تتحول هذه الخصوصيات إلى عناصر إثراء للهوية الوطنية لا إلى أدوات صراع وهنا تحديداً يمكن أن تكون مبادرة شورى الزغاوة ذات قيمة رمزية كبيرة لأنها بدأت من مكون اجتماعي ثم فتحت الباب أمام المكونات الأخرى وتحولت من (مبادرة قبيلة) إلى (مبادرة مجتمع) والمطلوب الآن تحويل الميثاق إلى مشروع وطني والتحدي الحقيقي أمام هذه المبادرة ليس إطلاقها وإنما الحفاظ عليها وتطويرها فإذا أرادت الشخصيات القائمة عليها أن تجعل منها مشروعاً وطنياً حقيقياً فإن الخطوة المقبلة ينبغي أن تتمثل في توسيع دائرة المشاركة لتشمل كل المكونات الاجتماعية والجغرافية للسودان وأن يتم إعداد وثيقة واضحة تتضمن المبادئ الأساسية للميثاق ومن أهم هذه المبادئ وحدة السودان وسلامة أراضيه ورفض الاستعلاء القبلي والجهوي ورفض استخدام القبيلة في الحرب ولا في التعاطي السياسي وتجريم خطاب الكراهية والتحريض الاجتماعي وحماية النسيج الاجتماعي ودعم المصالحات الأهلية وإعادة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم بصورة آمنة وكريمة ومعالجة قضايا الأرض والحواكير بصورة عادلة وإعادة بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية
دعم الدولة ومؤسساتها مع الاستفادة من النظام الأهلي وعدم استخدام الميثاق كغطاء لأي مشروع سياسي أو عسكري
جعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات والعمل على منع إعادة إنتاج الحرب بأدوات جديدة ومسؤولية تاريخية
السودانيون أمام لحظة تاريخية لا تحتمل المزيد من التجارب الفاشلة فالحرب الحالية أثبتت أن انهيار الثقة بين مكونات المجتمع يمكن أن يكون أخطر من انهيار المؤسسات وأثبتت كذلك أن الدولة عندما تضعف فإن المجتمع هو الذي يتحمل العبء الأكبر ولهذا فإن المبادرات الاجتماعية الجادة تستحق أن تجد مساحة للحوار والنقاش والتطوير بعيداً عن التخوين والاستقطاب وإذا نجحت هذه المبادرة في الانتقال من مرحلة الاجتماعات واللقاءات إلى ميثاق اجتماعي سوداني واسع فإنها يمكن أن تصبح واحدة من الأدوات التي تساعد في حماية البلاد من أخطر ما يمكن أن يحدث بعد انتهاء الحرب اندلاع حرب جديدة بأسباب جديدة وأطراف جديدة إن السودان لا يحتاج فقط إلى من يوقف الحرب وإنما يحتاج إلى من يمنع عودة الحرب ولا يحتاج فقط إلى اتفاق بين المتقاتلين وإنما إلى اتفاق بين المجتمع نفسه ولا يحتاج فقط إلى إعادة بناء المدن والطرق والمؤسسات وإنما إلى إعادة بناء الإنسان السوداني وثقته في أخيه السوداني ومن هنا فإن اجتماع الزغاوة مع النوبة والجموعية والبطاحين والكواهلة ثم انضمام الفور والبني هلبة والتعايشة والميدوب والقمر وغيرهم ليس مجرد حدث اجتماعي عابر إنه محاولة لقول شيء بالغ الأهمية أن السودان يمكن أن يجتمع من جديد إذا امتلك السودانيون الشجاعة للجلوس معاً قبل أن تجبرهم الحرب على ذلك وربما يكون هذا هو الدور التاريخي الذي يمكن أن تضطلع به شخصيات مثل مولانا محمد بشارة دوسة وعبدالرحيم عمر حسن والمحامي والبرلماني عمر سليمان وأعضاء هيئة شورى الزغاوة وكل الشخصيات والقيادات الأهلية والاجتماعية المشاركة أن يحولوا الألم الذي خلفته الحرب إلى فرصة لإعادة بناء التآخي السوداني فالسودان في نهاية الأمر ليس قبائل متجاورة ولا أحزاباً متصارعة ولا جيوشاً متقاتلة فالسودان شعب واحد ومصير واحد وأرض واحدة وإذا لم يتدارك السودانيون خطر الحرب اليوم فقد يجدون أنفسهم غداً أمام معركة أكبر من معركة السلاح معركة الحفاظ على وجودهم ووحدة مجتمعهم ووطنهم
