كتب: د. محمد عبد القادر سبيل
تجربة دول الخليج التنموية الباهرة، هذا النماء الكبير، والرعاية الفائقة التي يحظى بها الشعب هنالك، لم تبنَ على نظام سياسي ديمقراطي ليبرالي، ولا على حريات عامة وقوى سياسية مدنية مناضلة تستقوي بالاجانب والمليشيات وتؤلب المنظمات الدولية ومصائب الدنيا على شعبها وجيشها، فقط لأنه لم يمنحها زمام الحكم، بل بنيت على ارادة تغيير صادقة، واعتناء حقيقي بالانسان وبأسباب عزته وكرامته والحفاظ على هويته. فالمواطن أولاً قبل كل شيء.
ونحن في الحقيقة مثلهم نحتاج الى القائد الموحد، القوي الأمين، الذي يخرج من كيمياء المجتمع وخصائصه لا المستلب ثقافيا. ليخرجنا من ظلمات الفرقة والتخلف إلى نور الاستقرار والوحدة والأمن والتنمية، تماماً كما خرجوا، وبالطريقة ذاتها، مادمنا مجتمعا عشائريا أيضاً وما يزال نفوذ الناظر ترك والناظر مادبو والشيخ هلال حاضر في حياتنا وموجه لارداتنا، فدرجة نضجنا المدني ليست أفضل منهم وتصوراتنا وتقاليدنا مابرحت مثلهم. وها هم الآن باتوا منارة حضارة وقبلة وأسوة حسنة لكثير من نخبنا المستنيرة تتكففهم.
يبدو أن سردية ( دولة ٥٦) تستحق التأمل فعلاً والمراجعة.
فلو في دولة ٥٦ خطأ حقيقي فلن يكون سوى النظام السياسي الليبرالي الذي فرضته علينا نخبة كلية غردون خلفاء الانجليز. نحن لم يكن يناسبنا سوى ما يناسب الاردن والمغرب والسعودية وعمان.
انظر اليهم الآن، ثم انظر الى الدول التي سارت مسارنا مثل العراق ولبنان، ايهما انجع وانجح وأنسب لطبيعة تلك الشعوب؟ . إن أحزابنا ليست سوى بديل مشوه لمؤسسة القبيلة. هي عشائر متنازعة على نهب الدولة أو ساخطة إلى الأبد.
والديمقراطية فينا كالعريان الذي يلبس صديرياً أنيقاً. كلها هجاء ودسائس ونزاعات. هذا كل شيء.
فعلاً، دولة ٥٦ يجب ان تتغير. ويتعين أن نبحث عن أنموذج حكم يشبهنا مثلما فعلت دول الخليح بواقعية لا نحيد عنها. نحن لسنا خيرا منهم في شيء ولا تجربتنا في الحكم المدني اثبتت أننا انضج منهم مدنيا: الاحزاب مؤسسات معاصرة تدار بعقلية عشائرية.
والآن دول الخليج تطورت بدون وصاية نخب فاشلة، بل باتت قبلتنا وغاية منى نخبنا وخبرائنا. فلماذا نستعين بهم لنفعل عكس ما يفعلون في بلدانهم؟ لماذا نطلب مساندتهم لكي نزيد الشقاق القبلي والجهوي الذي بيننا، بدل ان نتأسى بهم لنفعل ما فعلوه؟ هل لأننا اوعى وافضل منهم؟ أم لأن الديمقراطية من شيمنا الأصيلة؟.
دولة ٥٦ تنكرت للنظارات والمشيخات التي تشبه دول الخليج، ولذلك ضللنا الطريق ويجب أن نعود فوراً الى النظام الذي يليق بمستوى نضجنا المدني الحقيقي.
نخبنا تعيش وهماً حداثيا لا طاقة لها ولا لشعبها به، وتصر عليه، قلنا لهم ماكينة الرولزرويس لا تجدي مع التكتك، قالوا وما ادراك. ولذلك هاهي امراضنا تزمن وتستفحل.
يجب ان نعترف بأن نظام الاحزاب الراهن لا يناسبنا، ولا يوردنا الا سراباً، انظروا فقط الى واقعنا للتتضح الصورة بجلاء. الديمقراطية الليبرالية (عارية مستعارة) وليست ارثنا المؤثل؟
وإن الأحلام المزمنة للنخب السياسية السودانية هي بالذات باب الريح وهي بالذات العوائق الكأداء التي تعترض الطريق إلى الاستقرار والنماء.
تجاربنا تقول ذلك بصدق: حينما تكون الأحزاب السياسية خارج السلطة، فإنها لا تألو جهدا من أجل اسقاط الحكومة القائمة، مهما تكن، حتى لو كانت حكومة ديمقراطية منتخبة، أو كانت إنتقالية مؤقتة، تسقط بس، وهي في سبيل غرضها هذا لا ترقب في شعب إلاً ولا ذمة.
ألا ترى أن من أهم أولويات الاحزاب المعارضة.. كفالة الحريات : حرية التعبير، حرية النشر، حرية الاعتقاد، حرية المرأة حرية التنظيم، حرية التجمع والتظاهر .. الخ وهم إذ يطالبون بتلك المقدسات المترفة فإنهم يعتبرونها اهم حقوق الشعب السوداني وعلى رأس اولوياته، بحجة ان المطالب الاخرى إنما تنبني عليها.
هل فعلاً الشعب السوداني يعتبر حرية التعبير وجرية التنظيم وحرية التجمهر والتظاهر أولوية بالنسبة إليه؟
محض افتراء.
في الحقيقة هي مطالب النخب والتنظيمات السياسية نفسها وهي مطالب فوقية لا تهم حتى القواعد الشعبية لتلك التنظيمات.
فالشعب لا يهمه شيء أولى من المعيشة الجيدة الآمنة.
أما إذا تعذر الآن مراجعة خيارات دولة ٥٦ التي اختطفت الحكم من جانب نخبة كلية غردون الاستعمارية، على نحو ما ذكرنا، فإن أولويات الشعب السوداني ومطالبه إزاء أي نظام حكم هي كما يلي:
أولا: المحافظة على مثلث: أمنه وهويته المعتدلة وسيادته الوطنية.
فمن يحاول أن يعبث بهذه الأقانيم المصيرية فقد خان، وهو حينئذ لا يمثل الا هواجسه وأمانيه الايدولوجية. ودوما ينتهي الامر بانتزاع السلطة ممن يتلاعب بحق الشعب الراسخ في هذا الثالوث: الدفاع عن امنه وشخصيته الثقافية والسيادة على ترابه. وعلى جميع القوى السياسية ضبط مصنع عقلها و اجندتها على هذا الاساس. وهذا ليس رأياً أرتئيه، بل من يشأ فليحتكم إلى تاريخنا الطويل، فمن الذي يعلو فينا ويحكم، ومن يسقط ويهزم، منذ مملكة سنار ( 1504_1821م). مرورا بالعهود المختلفة حتى الان.
ثانيا: يطالب الشعب بإلغاء (سياسة التحرير الاقتصادي) واعتماد نظام الاقتصاد المختلط( Mixed economy) من أجل استرداد الثروة القومية المختطفة من جانب الرأسمالية الطفيلية، وذلك عن طريق احتكار الدولة لتصدير السلع النقدية الست التالية: الذهب، الحبوب الزيتية، الصمغ العربي، المنتجات الحيوانية، القطن، والذرة.
وان تلتزم الدولة ايضاً باستيراد السلع الاستراتيجية الآتية بكوادرها الفعالة ودون شراكة. نسبية من القطاع الخاص: الوقود، الدقيق، الادوية البشرية والبيطرية، مدخلات الانتاج الزراعي والصناعي والمستوردات الحكومية.
ثالثاً: تحقيق الرخاء والنماء من خلال اتخاذ سياسات اقتصادية تنهي ظاهرة الغلاء ومن ذلك: تقوية قيمة العملة واستقرارها، كفاية الحد الادنى للاجور بما يكافئ حاجيات المعيشة، وتخفيض الجبايات التي تزيد تكلفة السلع والخدمات.
رابعا: الشعب يريد تعليما جيدا ومجانياً وداخلياً، كما كان الحال في الستينات وما قبلها.
خامسا: يطالب الشعب بخدمات الرعاية الصحية البيئية والعلاجية المتكاملة والمجانية كما كان الحال في الستينات الماضية وما قبلها.
سادسا: ضرورة تبني خطة عاجلة ومكثفة وفعالة للقضاء الجذري على الفساد بشتى اشكاله وعلى رأس ذلك تهريب الثروة ونشاط السوق الاسود واستغلال النفوذ لجني المال واختطاف الفرص.
تلك هي مطالب الشعب الستة الرئيسية وهي المقدمة على الحرية والديمقراطية، فلا يهم من يحكمه اذا كان يجعلها قضيته وعلى رأس اولوياته وهمومه اليومية لأنها هموم الشعب اليومية فعلا.
واما احلام العلمانية والحريانية والديمقراطية الليبرالية( نموذج ويست منستر) فهي تخص فئة قليلة تملأ الفضاء صخبا وغضباً ولم تكن يوما من هواجس الشعب. فالمواطن ( محمد احمد الاغبش) لا يستشعر أنه مكبل أو مكمم ويحتاج الى حرية من احد. ولا يجد فرقا ببن ان يحكمه عسكري أو مدني
المواطن يريد قيادة كقيادة ابراهيم عبود وجيش عبود وبرنامح تنمية عبود وصرامته ونزاهته واخلاقه؛ ليسود مثله ويعمر البلاد ست سنين، فيفعل ما فعله عبود في هن بلا زيادة او نقصان. ثم لتقم أكتوبر بعدها فلا مشاحة.
والله يهدي الى سواء السبيل
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي
