الجيش أساس المدنية
د. محمد عبد القادر سبيل
في مقدمته الشهيرة، رأى عبد الرحمن بن خلدون أن الإنسان مدني بطبعه، لكن طبائع البشر تنطوي على العدوان والظلم. ومن هنا، فإن العمران لا يمكن أن يستقيم دون وجود وازع ، يمنع الناس من الاعتداء على بعضهم. الجيش هو هذا الوازع، مما يوفر بيئة آمنة للمواطنين من أجل تبادل المنافع وبناء المدن وتطوير الصنائع.
وعبر تاريخ البشرية ظلت الجيوش تلعب دوراً محورياً دوماً في إرساء وتأسيس المجتمعات الحضرية، بما يشمل التخطيط العمراني، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي يسمح بنشوء المدن واستمرارها.
وثمة مدن عالمية عظيمة لها باع في صناعة الحضارة الانسانية والتطور المدني منشؤها كان معسكر جيش (ثكنة عسكرية) خاصة تلك التي أنشأتها الحضارة الرومانية القديمة، كمدينة لندن و باريس، وكالمدن الإسلامية الأولى مثل الكوفة والبصرة والقاهرة وأمدرمان، كلها معسكرات جيش تحولت بمرور الوقت إلى منارات اشعاع حضاري ومراكز نشاط تجاري عظيم( علينا أن نتذكر ذلك حينما نهتف: العسكر للثكنات، فهذه الثكنات بذور مدنية قادمة). فالجيوش أساس الحضارة ولا مدنية بدون أساس وحصن عسكري.
و المدنية في السودان، إذا لم نتحصلها من معسكرات القائد عمارة دنقس في سنار وثكنات الإمام المهدي في امدرمان فقد جاءتنا مع جيش المستعمر، ويكفي أن الجنرال كتشنر دخل الى بلادنا بسنابك القطار ( سكك الحديد) تتقدم الخيول والمدافع. وهو من بنى كلية غردون. وتخرج من مدرسته الحربية الى سجل مجدنا وفخارنا البطل علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ ..رموزنا هؤلاء عساكر وليسوا مدنيين اسسوا للنضال الوطني والحراك السياسي المدني. ومع ذلك نتجاهلهم الآن غرورا ونحن نتغني بانشودة فارس منهم يحب وطنه ويحث قومه على النهوض( الصاغ محمود أبوبكر):
ﺻَﻪْ ﻳﺎ ﻛﻨﺎﺭ ﻭﺿﻊ ﻳﻤﻴﻨﻚَ ﻓﻲ ﻳـﺪﻱ
ﻭﺩﻉِ ﺍﻟﻤﺰﺍﺡ ﻟﺬﻱ ﺍﻟﻄﻼﻗـﺔِ ﻭﺍﻟﺪﺩِ
ﻓﺈﺫﺍ ﻭﺟـﺪﺕَ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻜـﺎﻙ ﺑﻮﺍﺩﺭﺍً
ﻓﺎﺑﺬﻝْ ﺣﻴﺎﺗَـﻚَ ﻏـﻴﺮَ ﻣﻐﻠـﻮﻝِ ﺍﻟﻴﺪ
ﻓﺈﺫﺍ ﺍﺩﺧـﺮﺕَ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ ﺑﺴﺎﻟـﺔً
ﻓﺎﻋﻠﻢْ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻴﻮﻡَ ﺃﻧﺴﺐُ ﻣﻦ ﻏـﺪ
ﻭﺍﺳـﺒﻖْ ﺭﻓﺎﻗَﻚَ ﻟﻠﻘﻴـﻮﺩ ﻓـﺈﻧﻨﻲ
ﺁﻣـﻨﺖُ ﺃﻥْ ﻻ ﺣـﺮ ﻏﻴﺮ ﻣُﻘﻴَّﺪ
والحال، ألا يجوز القول: إن الجيش السوداني هو معلم الناس السياسة، وهو أهم مؤسسة مدنية في البلاد؟.
وإلا فماهي المدنية؟
إن المجتمع المتمدين هو المجتمع المنتظم والمتواشج بأسس متواضع عليها، وسمته الفارقة سيادة القانون الناظم والموجه، وفيه تُصان الحقوق، وتتحقق العدالة الاجتماعية والسلام والتعايش الايجابي.
وهكذا فإنك بعين الفاحص الأمين تجد أهم مقومات المجتمع المتمدين وافرة داخل القوات المسلحة السودانية أكثر من أجسام الكيانات المدنية.
ولعل السمة الوحيدة من سمات التمدين التي لا نراها في الجيش هي (حرية التعبير) التي ما انفكت توظف في المجتمع الأهلي لاثارة الايتفزاز والفرقة وسط المجتمع.
انظر ماذا قدم العساكر لحياتنا المدنية من صور العمران والتحضر منذ الاستقلال وبمناسبة أكتوبر سأكتفي بحكم عبود لأنه كان عسكريا بنسبة أقدرها ب ٨٠% وكان عهدا قصيرا (يقل عن السنوات الست) ومع ذلك قام الجنرال بإعمار البلاد مدنيا بصورة مدهشة وبمحبة ونزاهة بالغتين:
عبود ضاعف مشروع الجزيرة باضافة امتداد المناقل. وبنى سد الروصيرص واقام سلسلة من المصانع انتشرت في الاتجاهات الاربع للبلاد، وشيد طريق مدني والمسرح القومي وتلفزبون السودان مستبقا افربقيا وطور ميناء بورسودان واشترى السفن والبواخر وشيد مستشفى الشعب وبنى قشلاقات الموظفين والشرطة ونادي الاسرة وحديقة ١٧نوفمبر ( القرشي) وحدائق الشعب (المقرن) واستاد المريخ ثم الهلال وزاد المدارس الثانوية والوسطى ومكاتب البريد.
و كل معالم المدنية العريقة التي تراها العين وقف وراءها جنرال المعاصرة الفريق ابراهيم باشا عبود ومع ذلك يسميه المدنيون: الدكتاتور الظالم. فمن الظالم؟
هذا سيدعونا لنذهب أبعد نحو القول: لولا قومية ومؤسسية الجيش السوداني لما استطاع الصمود والتماسك الآن في هذه الحرب الشعواء ولما اكتسب ثقة ومساندة الشعب حتى انجز هذا الانتصار الباهر الذي حير العالم رغم كيد وتربص القوى الدولية الكبرى والصغرى، ولما نجح في صناعات ( جياد) المدنية الباهرة بعد أن عجز وسيعجز عن مثلها المدنيون.. علما بأن هذا الجيش يتألف من مختلف قبائل السودان.
ورغم ذلك فهو في حاجة الى اصلاح وإلى رفع قدرات تجعله يحسم أي تمرد في مدة أقل. ولذلك ينبغي دعمه – لا مناصبته العداء_ حتى يعمل على تطوير ذاته ويجري الاصلاحات الواجبة في اسرع وقت ممكن.
وفي الجانب الآخر لم يعتور مشروع القوى المدنية ويلجئها الى ماهي عليه اليوم الا افتقارها الى قيم المدنية الأصيلة في سلوكها مثل: النقاء الوطني وعفة اللسان عن الخطل والولاء لحكم القانون وتقديس المبادئ العليا وإرضاء الشعب، بجانب الترفع عن الصغائر وعدم معاداة اعز مؤسسات الدولة الى الشعب: الجيش. هذا خطأ تاريخي يجب تصحيحه بسرعة.
إن الجيش السوداني الذي جلب للدولة الاستقلال يوما، ليس مثالياً مبرءا من المثالب اليوم، ولكنه بالمقارنة النسبية يعد الأوفر حظاً في تبني شروط ومقومات المدنية بل وفي صناعتها.
والله بهدي الى سواء السبيل
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي
