نيالا مدينة الهجرات لا تحتكرها الجغرافيا يا حسون : من يحكم المدينة ابن المكان أم صاحب الكفاءة؟

ضل الحراز : علي منصور حسب الله

 

في مقاله الذي جاء بعنوان (نيالا الجمال… تكريم أبناء كسلا… وأولاد قلبا) كتب الأخ العزيز محجوب حسون (عندما طرحت مجموعة من المثقفين والإعلاميين ووجهاء نيالا بولاية جنوب دارفور قبل نحو (30) عاماً فكرة أو رؤية ضرورة أن يكون (المعتمد) أو المدير التنفيذي أو الرجل الأول في رئاسة محلية نيالا أن يكون من أولاد قلبا أي بمعنى أن يكون من مواليد نيالا يعرف تفاصيل الحياة والخدمات فيها ويعرف كيف كانت نيالا وما هو المطلوب لها) ولأن الأستاذ محجوب حسون صحفي كبير نعرف له قدره ومكانته فإننا نتوقع منه كما نتوقع من كل صاحب قلم أن يتحرى الدقة في المعلومات التي يقدمها للقراء فهو حر في آرائه واجتهاداته ومواقفه ومن حقه أن يتبنى ما يشاء من الأفكار لكن المعلومة التاريخية ليست رأياً شخصياً ولا يجوز الخلط بينهما خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتاريخ مدينة وذاكرة مجتمع وتجربة إدارية عاشها الناس وشاركوا في صناعة أحداثها ولا أكتب من زاوية المهنية وحدها لكنني أحد شهود تلك الفترة ومن الفاعلين فيها ومن هذا المنطلق أجد نفسي مضطراً إلى التوقف عند هذه الرواية ومناقشتها ليس انتقاصاً من صاحبها وإنما دفاعاً عن الحقيقة التاريخية وإنصافاً لمدينة نيالا وأهلها وتصحيحاً لما أراه خلطاً بين طبيعة الحكم المحلي في تلك الفترة وبين فكرة حصر قيادة المدينة في فئة جغرافية بعينها يقول الأستاذ محجوب إن مجموعة من المثقفين والإعلاميين ووجهاء نيالا طرحت قبل نحو ثلاثين عاماً ضرورة أن يكون الرجل الأول في محلية نيالا من أبناء المدينة أي من أولاد قلبا مستندة إلى معرفتهم بتفاصيل الحياة والخدمات واحتياجات المواطنين وإذا رجعنا ثلاثين عاماً إلى الوراء من تاريخ كتابة هذا المقال فإننا نصل إلى عام 1996م والاعوام التي سبقتها وهنا تبرز أولى الملاحظات التي تستوجب التصحيح ففي ذلك الوقت لم يكن مسمى (المعتمد) هو المسمى الذي ينبغي إسقاطه على تلك المرحلة دون سند تاريخي أو قانوني إذ كان هناك منصب المحافظ إلى جانب المدير التنفيذي والمجلس المحلي ولكل منها موقعه في الهيكل الإداري واختصاصاته التي يحددها القانون ولا يجوز أن نستخدم المسميات الإدارية التي استقرت في مراحل لاحقة ثم نُسقطها على فترة تاريخية سابقة من دون أن نتحقق من طبيعة النظام الذي كان قائماً آنذاك لقد كانت إدارة الحكم المحلي تخضع لقانون الحكم المحلي لسنة 1995م الذي جاء في سياق التطورات الدستورية والإدارية التي شهدها السودان منذ مطلع التسعينيات بعد قيام النظام الاتحادي وإعادة تنظيم مستويات الحكم والإدارة ولذلك فإن الحديث عن ضرورة أن يكون الرجل الأول في رئاسة محلية نيالا من أبناء قلبا مع استخدام مسميات إدارية من دون ضبط تاريخي يقتضي أولاً تحديد المنصب المقصود وطبيعة سلطاته والجهة التي كان يتبع لها ثم تحديد ما إذا كانت الفكرة التي يتحدث عنها الكاتب قد طُرحت بالفعل ومن الذين تبنوها وما السياق الذي جاءت فيه أما إطلاق القول بأن مجموعة من المثقفين والإعلاميين ووجهاء نيالا تبنت هذه الرؤية قبل ثلاثين عاماً من دون تحديد الأسماء أو تقديم شواهد توثيقية فإنه يظل رواية تحتاج إلى ما يسندها من وثائق أو شهادات معاصرة وهنا أؤكد أن اعتراضي ليس على حق أي شخص في طرح رؤية بشأن إدارة نيالا وإنما على تقديم رواية تاريخية محددة وكأنها حقيقة مستقرة بينما هي بحاجة إلى التحقق ومن المهم أن نفهم طبيعة الحكم المحلي في تلك الفترة حتى لا نقرأ تاريخ الإدارة المحلية في نيالا بعين الحاضر أو نخلط بين السلطات والاختصاصات التي كانت قائمة آنذاك وتلك التي ظهرت لاحقاً لم يكن المدير التنفيذي للمحلية في الصورة التي عرفناها في ذلك النظام صاحب سلطة مطلقة يتصرف منفرداً في شؤون المدينة ولا كان منصبه أهم من المجلس المحلي المنتخب الذي يضطلع بدور أساسي في تقرير شؤون المحلية وفقاً للقانون كان المجلس المحلي هو الإطار الذي تُناقش داخله قضايا المواطنين واحتياجاتهم وأولويات الخدمات فيما يتولى الجهاز التنفيذي تنفيذ القرارات والبرامج في حدود اختصاصاته وكانت المجالس المحلية تختلف بحسب طبيعتها فالمحلية الحضرية ترتبط بتمثيل الأحياء والحارات بينما تقوم المحلية الريفية على تمثيل القرى التابعة لها وفقاً للترتيبات القانونية والإدارية المعمول بها وهذا يعني أن إدارة الشأن المحلي لم تكن من حيث المبدأ مجرد قرار يصدره مسؤول واحد ولا كانت كفاءة المدينة مرتبطة حصراً بشخص المحافظ أو المدير التنفيذي وإنما كانت تتأثر بفاعلية المجلس المحلي وطبيعة التمثيل الشعبي وكفاءة الجهاز التنفيذي ومدى قدرته على الاستجابة لاحتياجات المواطنين ومن هنا نفهم لماذا كانت النجومية في الحكم المحلي في كثير من الأحيان لرؤساء المحليات الذين ارتبطت أسماؤهم بإنجازات وتجارب عملية في مناطقهم وليس بالضرورة للمسؤول الأعلى في الترتيب الإداري لقد عرفنا في تلك المرحلة شخصيات تركت بصماتها في مناطقها من أمثال أبو منصور في كأس وعيسى باسي في شرق الجبل ومحمد نور أبو تسة في نتيقة وعبد المنعم أمبدي في رهيد البردي والأستاذ الساير في عد الفرسان وعمر قندولي في شطايا ويعقوب زكريا في نيالا شمال وجبريل مطر ثم أبكر إبراهيم كمون في بلدية نيالا وهذه الأسماء بما تمثله من تجارب في الإدارة المحلية تستحق أن تُذكر في سياق توثيق تاريخ الحكم المحلي في جنوب دارفور ودراسة طبيعة العلاقة بين المسؤول المحلي والمجتمع الذي يعمل في خدمته فليس من الإنصاف أن نختزل تجارب هؤلاء وغيرهم في مسألة المولد أو الانتماء الجغرافي ونتجاهل ما كان لهم من حضور في إدارة شؤون مناطقهم وما ارتبط بأسمائهم من مواقف وتجارب ينبغي توثيقها وتقييمها بالرجوع إلى الوقائع والشهادات إن المسؤول المحلي الناجح هو الذي يستطيع أن يترجم احتياجات المواطنين إلى برامج وأن يحسن إدارة الموارد وأن يتعامل مع الناس بالعدل وأن يجعل الخدمات حقاً متاحاً للجميع لا امتيازاً تمنحه الجغرافيا لفئة دون أخرى وإذا كانت هناك رؤية ذات طابع ثوري في تاريخ الحكم المحلي بنيالا فإن ما أذكره من تلك المرحلة يختلف عن الصورة التي رسمها الأستاذ محجوب حسون فقد كانت هناك تحركات ومطالب قادتها شخصيات من الأحياء الطرفية احتجاجاً على ممارسات التمييز التي كان يصفها بعض الناس بعبارة (عيال قلبا) في مقابل من يُنظر إليهم باعتبارهم خارج تلك الدائرة الاجتماعية والجغرافية وقد قاد تلك التحركات عدد من الشخصيات المجتمعية التي لا يجوز إغفال أدوارها عند كتابة تاريخ المدينة ومنهم المرحوم حسن آدم النور من حي الوحدة والمرحوم هارون إدريس من حي الجير والمرحوم عمك جبريل من حي طيبة وحاج الجنيه والسوار من الخرطوم بالليل والمرحوم إسحاق أحمد علي لوك والمرحوم محمد عبد الرحيم صندل من حي النصر جنوب وشمال والأستاذ محمود دقيس والدكتور سليمان أبكر وعمر قندولي وشريف بارقي وبشر الدوم من أحياء السلام ويعقوب زكريا ويوسف علي عثمان من الدروة والطاهر عبد الرسول من حي الشرطة إلى جانب آخرين كثر يصعب حصرهم في مقال واحد إن ذكر هذه الأسماء ليس استدعاءً للماضي من أجل الرد وإنما هو إنصاف لرجال رأوا أن حقوق المواطنين لا ينبغي أن تتوقف على الحي الذي يسكنونه أو الجهة التي ينتمون إليها أو طبيعة علاقاتهم الاجتماعية وبحسب ما أذكره من تلك المرحلة فقد أسهمت تلك التحركات في إنهاء نظام (داخل مظلة وخارج مظلة) الذي كان يطبقه البعض وهو نظام أدى إلى ظلم قطاع واسع من المواطنين وأوجد تمييزاً في التعامل مع الناس على أساس القرب أو البعد من دوائر اجتماعية بعينها خاصة في مجال التموين وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل فإذا كانت المشكلة في الماضي هي التمييز بين أبناء المدينة وفقاً لمواقعهم الاجتماعية والجغرافية فكيف يمكن أن يكون الحل هو إعادة إنتاج التمييز نفسه ولكن بصورة معكوسة بحيث يصبح الانتماء إلى منطقة محددة شرطاً ضمنياً لتولي القيادة؟ إن العدالة لا تُبنى باستبدال دائرة احتكار بأخرى ولا بتوسيع دائرة المستفيدين من الامتيازات مع الإبقاء على المبدأ ذاته وإنما بإزالة التمييز من أساسه وإقرار حق المواطنين في المنافسة على الوظائف العامة وفقاً للكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على الإنجاز وإذا كان أبناء الأحياء الطرفية قد ناضلوا من أجل إنهاء التمييز الذي تعرضوا له فإن الوفاء لتلك التجربة يقتضي أن نتمسك بمبدأ المساواة لا أن نحوله إلى أداة لإقصاء آخرين فنيالا ليست ملكاً لحي دون آخر ولا لأسرة دون غيرها ولا لمجموعة سكانية تستطيع أن تمنح نفسها حقاً حصرياً في إدارة المدينة إن القول بضرورة أن يكون المسؤول الأول في نيالا من مواليدها حتى يعرف تفاصيل الحياة والخدمات فيها قد يبدو في ظاهره تعبيراً عن الحرص على المدينة لكنه يتحول إلى إشكال حقيقي عندما يُقدَّم الانتماء الجغرافي باعتباره معياراً للقيادة والأحقية في تولي المنصب العام والحقيقة أن نيالا مدينة صنعتها الهجرات وأسهم في بنائها وتطورها رجال ونساء قدموا إليها من مناطق مختلفة واستقروا فيها وعملوا في تجارتها وإدارتها وأسواقها ومؤسساتها حتى أصبحت مدينة ذات تركيبة اجتماعية وثقافية متنوعة ولعل تاريخ الغرفة التجارية في نيالا يقدم مثالاً واضحاً على ذلك فقد تولى رئاستها قبل نحو قرن رجال من المهاجرين إلى المدينة من أمثال بابكر سالم شيخو والدابي محمد وعبد الغفار الفكي وموسى عبد العظيم ومثال آخر أن الحاجه فاطمة فضل يعقوب المعروفة بحاجه بانا وهي من أشهر نساء نيالا من مواليد عد الفرسان عد الغنم وقتها كما أن الأستاذة الراحلة عائشة كمبوني رغم ما قدمتها لنيالا في مجال التعليم وهي التي كرمتها حكومة مايو لم تكن من مواليد نيالا وإنما في نهر النيل فلم تكن مكانة هؤلاء مستمدة من مجرد كونهم أبناء منطقة بعينها وإنما من حضورهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمهنية ومن الأدوار التي اضطلعوا بها في مجتمع المدينة وهناك أيضاً أسماء ارتبطت بتاريخ نيالا الديني والاجتماعي من بينها الفكي محمد جد محمد علي الفكي والفكي علي جد الأستاذ علي يونس والفكي النجيب جد صديقك وصديقنا جعفر النجيب وهؤلاء وفقاً للرواية التاريخية التي أعرفها عن أسرهم قدموا إلى نيالا من منطقة الكبكب عقب أحداثها الشهيرة التي أودت بحياة عشرات من علماء الدين إن استحضار هذه الأسماء ليس مجرد استطراد تاريخي بل هو تذكير بأن المدن لا تُبنى بالأنساب وحدها ولا تتطور بانغلاقها على سكانها الأوائل وإنما تتشكل عبر الهجرات والتفاعلات الاجتماعية والتجارية والثقافية وعبر مساهمة أجيال متعاقبة من الذين اختاروا أن يجعلوا منها موطناً لهم لقد جاء الناس إلى نيالا من مناطق متعددة فاستقروا فيها وتزوجوا وربّوا أبناءهم وشاركوا في عمرانها وأسهموا في اقتصادها وتعليمها وثقافتها وخدماتها ومع مرور الزمن لم يعد ممكناً فصل تاريخ المدينة عن تاريخ هؤلاء جميعاً أو التعامل مع بعضهم باعتبارهم أبناءً أصليين ومع آخرين باعتبارهم ضيوفاً لا يحق لهم المشاركة في إدارتها فما الذي يجعل شخصاً مولوداً في نيالا أحق بالمنصب العام من شخص قدم إليها طفلاً وتعلم في مدارسها وعمل في مؤسساتها وعرف أحياءها ومشكلاتها وأمضى معظم عمره في خدمة أهلها؟ وما الذي يمنح شخصاً لمجرد مولده في المدينة أفضلية على شخص آخر يمتلك خبرة إدارية طويلة وقدرة أكبر على التخطيط وإدارة الموارد وتقديم الخدمات؟ إن المدينة ليست شهادة ميلاد وإنما هي مجتمع من المواطنين تجمعهم الحقوق والواجبات والمصالح المشتركة ويُفترض أن يكون معيار التقدم فيه هو ما يقدمه الإنسان لمجتمعه لا المكان الذي وُلد فيه وهنا أوجه سؤالي المباشر إلى الأخ محجوب حسون هل كنت عندما كتبت عن هذه الرؤية تتحدث عن قناعة شخصية تتبناها أم عن موقف جماعي موثق اتخذته مجموعة من مثقفي وإعلاميي ووجهاء نيالا قبل نحو ثلاثين عاماً؟ إذا كنت تتحدث عن رأيك الخاص فأنت حر فيه ولك كامل الحق في الدفاع عنه كما أن من حقنا أن نناقشه ونختلف معه أما إذا كنت تنسب هذه الفكرة إلى مجموعة من المثقفين والإعلاميين والوجهاء فإن من حق القارئ أن يعرف من هم هؤلاء ومتى اجتمعوا وما الظروف التي دفعتهم إلى طرحها وهل كانت رؤية جماعية مستقرة أم مجرد نقاش عابر بين بعض الأفراد إن نسبة فكرة تقوم على تفضيل فئة جغرافية في تولي القيادة العامة إلى مثقفي وإعلاميي ووجهاء نيالا من دون توثيق كافٍ قد تسيء إلى صورة المدينة نفسها وهي بريئة من أن تُختزل في مثل هذا التصور فنيالا التي نعرفها كانت ولا تزال مدينة تتسع لأبنائها جميعاً وقد أسهم في بنائها أشخاص ينتمون إلى مناطق وقبائل وأسر متعددة وإذا كان المقصود من الفكرة أن يكون المسؤول ملماً باحتياجات المدينة فإن هذا مطلب مشروع لكن الوصول إليه لا يتطلب حصر المنصب في المولودين فيها يمكن تحقيق ذلك من خلال اختيار مسؤول يمتلك الخبرة الإدارية ويستمع إلى المواطنين ويتعرف على واقع المدينة ويعمل وسط مؤسساتها ويستعين بأهل الاختصاص ويخضع للمساءلة عن أدائه أما تحويل المولد إلى شرط للأحقية فهو أمر آخر يحتاج إلى نقاش مختلف لأنه ينقل المسألة من دائرة الكفاءة والخبرة إلى دائرة الهوية الجغرافية وأتساءل هنا هل كان جميع أبناء قلبا متفقين على تلك الرؤية؟ وهل كان جميع أبناء نيالا الآخرين رافضين لها؟ وهل يمكن اختزال مواقف مدينة كبيرة بتنوعها الاجتماعي والثقافي في رأي مجموعة من الأشخاص مهما كانت مكانتهم؟ إن المدينة لا تتحدث بصوت واحد في كل القضايا والمجتمعات الحية تعرف الاختلاف في الرأي لكن واجب الكاتب أن يميز بين موقفه الشخصي والموقف الذي يمكن نسبته إلى مجتمع كامل ولعل من المفيد في هذا السياق أن أذكّر الأخ محجوب حسون بموقف يعرفه جيداً لقد كنت من داعمي الوالي المهندس آدم الفكي محمد الطيب وهو ليس من أبناء قلبا ولا من (كبدتها) وفق التعبير الاجتماعي المتداول فهل يعني ذلك أنك لم تكن من مثقفي وإعلاميي نيالا؟ أم أنك كنت تؤيد الرجل انطلاقاً من تقديرك لتجربته وقدرته على إدارة الولاية بعيداً عن مسألة المولد والانتماء الجغرافي؟ إن الاستشهاد بهذه التجربة لا يعني أن دعم مسؤول بعينه يثبت وحده نجاحه أو فشله ولا أن الاختلاف حول أدائه يُحسم بمكان مولده وإنما المقصود أن الموقف من المسؤول العام ينبغي أن يُبنى على تقييم تجربته وبرنامجه وأدائه لا على انتمائه إلى هذه المنطقة أو تلك فإذا كان شخص من أبناء المدينة يدعم مسؤولاً من خارجها لأنه يرى فيه القدرة على أداء المهمة فذلك دليل على أن معيار الاختيار لا ينبغي أن يكون مغلقاً أمام الآخرين وإذا كان شخص آخر يرفض مسؤولاً من أبناء المدينة بسبب ضعف أدائه فإن من حقه أن يفعل ذلك أيضاً فالمنصب العام ليس مكافأة على المولد ولا تعويضاً عن الانتماء ولا امتيازاً تمنحه الجغرافيا لأبنائها وإنما هو مسؤولية تتطلب الكفاءة والأمانة والقدرة على خدمة المواطنين والأصل أن نقول للمسؤول ماذا قدمت للمدينة؟ وكيف أدرت مواردها؟ وما الذي أنجزته في الخدمات؟ وكيف تعاملت مع مواطنيها؟ وما مدى قدرتك على معالجة مشكلاتها؟ ولا ينبغي أن يكون السؤال الأول أين وُلدت؟ وإلى أي منطقة تنتمي؟ إذا نظرنا إلى العالم من حولنا فسنجد أن العقود الأخيرة شهدت تحولاً تاريخياً في المشهد السياسي تمثل في صعود مهاجرين وأبناء مهاجرين إلى مواقع دستورية وتشريعية وتنفيذية عليا في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا وأستراليا ولا يعني ذلك أن كل تجربة من هذه التجارب خلت من الجدل أو الخلاف السياسي أو أن أصحابها وصلوا إلى مناصبهم لمجرد أصولهم العائلية وإنما يعني أن الخلفية العائلية والجغرافية لم تكن في الأنظمة الديمقراطية التي أتاحت لهم المنافسة مانعاً مطلقاً من الوصول إلى القيادة لقد أصبح من الممكن أن يصل الإنسان إلى موقع متقدم في الدولة بفضل التعليم والخبرة والعمل العام والقدرة على كسب ثقة الناخبين بصرف النظر عن المكان الذي وُلد فيه والداه أو أجداده ففي الولايات المتحدة الأمريكية نجد باراك حسين أوباما الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الذي وُلد في هاواي لأم أمريكية وأب من كينيا ثم وصل إلى الرئاسة بعد مسيرة سياسية طويلة وقد مثّل انتخابه محطة بارزة في تاريخ الولايات المتحدة وأظهر أن الخلفية العائلية المتعددة لا تمنع المواطن من الوصول إلى أعلى منصب في البلاد ونجد أيضاً كامالا هاريس التي شغلت منصب نائبة رئيس الولايات المتحدة خلال الفترة من 2021 إلى 2025 وكانت مرشحة الحزب الديمقراطي للرئاسة في انتخابات 2024 وهي ابنة لأب مهاجر من جامايكا وأم مهاجرة من الهند وفي الكونغرس الأمريكي برزت إلهان عمر التي هاجرت من الصومال إلى الولايات المتحدة لاجئة ورشيدة طليب ابنة المهاجرين الفلسطينيين بوصفهما من أبرز عضوات مجلس النواب الأمريكي وتوضح هذه التجارب أن الوصول إلى المناصب التشريعية والسياسية يمكن أن يتسع لأشخاص من خلفيات عائلية وثقافية متنوعة متى توافرت لهم الشروط القانونية والسياسية اللازمة للمشاركة وفي المملكة المتحدة تولى ريشي سوناك رئاسة الوزراء بين عامي 2022 و2024 وهو من أصول هندية وقد وُلد في بريطانيا لأبوين ينحدران من أسر هندية استقرت في شرق أفريقيا قبل انتقالهما إلى المملكة المتحدة وفي اسكتلندا تولى حمزة يوسف رئاسة الحكومة بين عامي 2023 و2024 وهو ابن لمهاجرين باكستانيين أما في أيرلندا فقد تولى ليو فارادكار رئاسة الوزراء وهو ابن لطبيب هندي هاجر إلى أيرلندا وفي ألمانيا برز جيم أوزدمير المنحدر من أسرة تركية مهاجرة في الحياة السياسية الألمانيةووتولى منصب وزير الغذاء والزراعة الاتحادي بين عامي 2021 و2025 وتختلف هذه الحالات في تفاصيلها ومساراتها السياسية لكنها تلتقي عند حقيقة أن الأصول العائلية لم تكن وحدها المحدد لمسار أصحابها السياسي وأن المجتمعات الحديثة تعرف تحولات في مفهوم الهوية والمواطنة والتمثيل السياسي وفي كندا نجد أحمد حسين الذي وصل إلى البلاد لاجئاً من الصومال في سن المراهقة ثم أصبح وزيراً للهجرة وشغل لاحقاً منصب وزير التنمية الدوليةوونجد أيضاً جاغميت سينغ المنحدر من أسرة مهاجرة من الهند الذي أصبح زعيماً للحزب الديمقراطي الجديد وبرز في الحياة السياسية الكندية وفي أستراليا برزت بيني وونغ وزيرة الخارجية الأسترالية منذ عام 2022 التي وُلدت في ماليزيا لأب ماليزي من أصول صينية وأم أسترالية ثم انتقلت إلى أستراليا في طفولتها هذه الأمثلة لا تعني أن جميع الدول تتبنى نموذجاً واحداً للمواطنة أو أن شروط تولي المناصب متطابقة بينها لكنها توضح أن الخلفية الجغرافية والعائلية لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى حاجز أمام المشاركة في الحياة العامة ففي المجتمعات التي تتيح المنافسة على أساس المواطنة والقانون يمكن للإنسان أن يخدم الدولة التي ينتمي إليها قانونياً وأن يتولى المسؤولية العامة متى استوفى شروطها واكتسب الخبرة اللازمة ونال الثقة المطلوبة والسؤال الذي يهمنا هنا ليس كيف وصل هؤلاء إلى مناصبهم بالتفصيل وإنما ما الذي نتعلمه من تجاربهم عند التفكير في إدارة مدننا ومجتمعاتنا إذا كانت دول كبيرة ومتنوعة مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وبريطانيا قد شهدت وصول أشخاص من خلفيات عائلية مهاجرة إلى مناصب عليا فلماذا نريد نحن أن نضيّق دائرة الاختيار في مدينة مثل نيالا التي قامت تاريخياً على الهجرات والتنوع والتفاعل بين مكوناتها؟

لا أدعو هنا إلى التقليل من قيمة الانتماء إلى نيالا ولا إلى تجاهل أهمية معرفة المسؤول بتاريخ المدينة وخصائصها الاجتماعية والثقافية واحتياجاتها الخدمية على العكس فإن معرفة المدينة وتاريخها ومشكلاتها عامل مهم في نجاح أي مسؤول يتولى إدارتها لكن المعرفة ليست حكراً على المولودين فيها كما أن المولد لا يضمن وحده المعرفة أو الكفاءة قد يولد الإنسان في نيالا ويعيش بعيداً عنها معظم عمره فلا يعرف شيئاً عن مشكلاتها الراهنة وقد يأتي إليها شخص من منطقة أخرى فيعمل فيها سنوات طويلة ويتعرف على أحيائها ومؤسساتها ويكتسب خبرة عملية تجعل منه أكثر قدرة على إدارة شؤونها وقد يكون ابن المدينة أكثر كفاءة من غيره، وقد يكون القادم إليها أكثر خبرة منه فهذه أمور لا تُحسم بالجغرافيا وإنما بالتقييم الموضوعي لكل حالة إن المطلوب هو ألا نحول الانتماء إلى المدينة إلى امتياز حصري وألا نحول الهجرة إليها إلى تهمة أو نقص في الأهلية فالمواطن الذي يسكن نيالا ويدفع ضرائبه ورسومه ويعمل في مؤسساتها ويسهم في اقتصادها ويربي أبناءه في مدارسها ويشارك في أفراحها وأتراحها هو جزء من مجتمعها وله حقوقه التي يكفلها القانون ولا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره أقل استحقاقاً للمشاركة في إدارة الشأن العام لمجرد أنه وُلد في مكان آخر إن حق المدينة على المسؤول أن يخدمها وحق المواطن على الدولة أن تتيح له فرصاً عادلة للمشاركة في الحياة العامة وفقاً للقانون والكفاءة والقدرة على أداء المسؤولية أما اختزال هذه العلاقة في مكان المولد فإنه يظلم المدينة قبل أن يظلم الأشخاص الذين قد يُستبعدون من المنافسة إذا أردنا أن نناقش القضية بصورة عملية بعيداً عن الشعارات فعلينا أن نسأل ما المواصفات التي نريدها في المسؤول الذي يتولى إدارة محلية نيالا؟ هل نريده أن يكون صاحب معرفة بتاريخ المدينة؟ بالتأكيد هل نريده أن يعرف أحياءها واحتياجات مواطنيها؟ نعم هل نريده أن يفهم طبيعة مجتمعها وتنوعه وأن يستمع إلى مكوناته المختلفة؟ بلا شك هل نريده أن يكون قادراً على إدارة الموارد العامة والتخطيط للخدمات ومتابعة تنفيذ المشروعات ومحاسبة المقصرين؟ هذا من صميم مسؤولياته هل نريده أن يتعامل مع المواطنين على قدم المساواة وألا يميز بينهم بسبب القبيلة أو المنطقة أو العلاقات الاجتماعية؟ هذا شرط أساسي في أي إدارة عامة عادلة لكن هل يشترط لتحقيق هذه المواصفات أن يكون المسؤول مولوداً في نيالا؟ هنا تكمن نقطة الخلاف إن جميع الصفات التي ذكرناها يمكن التحقق منها من خلال الخبرة والسجل العملي والقدرة على العمل ولا تستلزم بالضرورة أن يكون المرشح من أبناء منطقة بعينها وإذا كانت هناك حاجة إلى معرفة أعمق بالمدينة فيمكن تعزيزها بالاستعانة بالمؤسسات المحلية والمختصين وقيادات الأحياء والمهنيين وأصحاب الخبرة والاستماع إلى المواطنين أنفسهم كما أن إشراك أبناء المدينة في صنع القرار لا يتوقف على تعيين مسؤول من بينهم إذ يمكن أن يتحقق من خلال المجالس المحلية المنتخبة والمشاركة المجتمعية والشفافية والمساءلة وتمكين المواطنين من متابعة أداء الأجهزة التنفيذية وبذلك يصبح الانتماء إلى المدينة مصدر معرفة وخبرة يمكن الاستفادة منه لا شرطاً جغرافياً يُقصى بسببه الآخرون إن أخطر ما في فكرة حصر القيادة العامة في فئة جغرافية محددة ليس أنها قد تحرم شخصاً بعينه من منصب وإنما أنها قد تؤسس لمبدأ يضعف المساواة بين المواطنين ويحول الانتماء إلى المدينة من رابطة اجتماعية وإنسانية إلى معيار للأفضلية السياسية والإدارية فإذا قلنا إن المسؤول عن نيالا ينبغي أن يكون من مواليدها فماذا نقول عن المسؤول عن مدينة أخرى؟ وماذا نقول عن المسؤول على مستوى المركز وهل نطالب بأن يكون مدير المستشفى من أبناء المدينة التي يقع فيها المستشفى؟ وهل ينبغي أن يكون مدير الجامعة من أبناء المدينة التي توجد فيها الجامعة؟ وهل نمنع صاحب الخبرة والكفاءة من تولي مسؤولية عامة لمجرد أنه وُلد في ولاية أخرى؟ وأين ينتهي هذا المنطق؟قد يبدأ الأمر بالمطالبة بأن يكون المسؤول من أبناء المدينة ثم يتطور إلى المطالبة بأن يكون من أبناء حي معين أو قبيلة بعينها أو أسرة محددة وكل ذلك تحت لافتة المعرفة بالمكان والحرص على مصالحه وهكذا تتحول الفكرة التي قد يقدمها أصحابها باعتبارها دفاعاً عن حق محلي إلى باب يمكن أن يُستخدم لإقصاء المواطنين وإعادة إنتاج التمييز الذي عانى منه آخرون في مراحل سابقة إننا لا نحتاج إلى بناء حواجز جديدة بين أبناء المدينة وإنما إلى بناء مؤسسات عادلة تضمن أن يتولى المسؤولية من يستطيع أداءها وأن يخضع كل مسؤول للمساءلة عن عمله وأن يتمتع المواطنون بحقوق متساوية أمام القانون وإذا كانت هناك مظالم تاريخية تعرضت لها أحياء أو مجموعات اجتماعية فإن علاجها يكون بتصحيح الاختلالات وتوسيع فرص المشاركة وتكافؤ الفرص لا بإنشاء امتياز جغرافي جديد الأخ العزيز محجوب حسون…

إنني أختلف معك في هذه الرؤية وأرى أن ربط أحقية القيادة بمكان المولد لا يعبر عن حقيقة نيالا وتاريخها ولا عن الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة الحكم المحلي فيها لكنني لا أختلف معك في أهمية أن يتولى إدارة المدينة شخص يعرفها ويدرك احتياجاتهازويحرص على مصالح مواطنيها فهذا مطلب نتفق عليه جميعاً وإنما نختلف في الوسيلة والمعيار فأنت ترى، وفق ما جاء في مقالك أن المولد في نيالا يمثل مدخلاً أساسياً لمعرفة تفاصيل الحياة والخدمات فيها وأنا أرى أن المعرفة تُكتسب بالتجربة والعمل والاحتكاك بالمجتمع وأن الكفاءة لا يمكن حصرها في دائرة جغرافية وإذا كنت تستند إلى واقعة تاريخية مفادها أن مجموعة من المثقفين والإعلاميين والوجهاء طرحت هذه الفكرة قبل نحو ثلاثين عاماً فإن من حقنا أن نعرف أسماءهم وأن نطلع على ظروف طرحها وأن نناقشها في سياقها التاريخي والإداري الصحيح رغم معرفتي بعدم حدوث ذلك في السياق الذي ذكرته أما إذا كان الأمر اجتهاداً شخصياً فمن حقك أن تدافع عنه ومن حقنا أن نختلف معه وأن نوضح ما نراه من جوانب قصور فيه لقد عرفت نيالا رجالاً ونساءً قدموا إليها من أماكن متعددة فصنعوا جزءاً من تاريخها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وعرفت المدينة أبناءً مخلصين من أحيائها المختلفة أسهموا في الدفاع عن حقوق مواطنيها وفي مقاومة التمييز وفي المطالبة بإدارة أكثر عدلاً وإنصافاً ولا يجوز أن نختزل كل هذا التاريخ في سؤال من وُلد هنا ومن وُلد هناك؟ إن المدينة التي اتسعت للهجرات واحتضنت القادمين إليها وفتحت أبوابها للعمل والتجارة والاستقرار لا ينبغي أن تضيق اليوم بمن ساهموا في بنائها أو اختاروا أن يعيشوا فيها فنيالا ليست ملكاً جغرافياً لفئة ولا امتيازاً وراثياً لمجموعة وإنما هي مدينة صنعها أبناؤها جميعاً بمن فيهم الذين قدموا إليها من خارجها وأسهموا في عمرانها وشاركوا في حياتها وأصبح تاريخهم جزءاً من تاريخها وإذا كان العالم قد شهد خلال العقود الأخيرة تحولات في مفهوم الهوية السياسية بحيث أصبح الأصل العائلي أو مكان مولد الوالدين لا يمنعان في كثير من الحالات من تولي المسؤولية العامة فإن علينا أن نراجع نحن أيضاً بعض التصورات التي ورثناها عن العلاقة بين الجغرافيا والقيادة لقد آن الأوان للانتقال من منطق الأحقية الجغرافية إلى منطق المواطنة ومن معيار المولد إلى معيار الكفاءة ومن الامتياز الاجتماعي إلى تكافؤ الفرص فالذي يعتمد على تقديم نفسه لتولي الوظيفة العامة من خلال الجغرافيا والتاريخ وحدهما من دون أن يقدم ما يثبت كفاءته وقدرته على القيادة لا يكون قد قدم المعيار الكافي لاستحقاق المنصب لأن الانتماء إلى مدينة أو قبيلة لا يغني عن امتلاك أدوات القيادة والإدارة وفي المقابل فإن من يمتلك الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على خدمة المواطنين لا ينبغي أن يُحرم من المنافسة بسبب مكان مولده أو أصول أسرته إن ما نحتاج إليه في نيالا وفي السودان كله ليس مسؤولاً يحمل شهادة ميلاد من المدينة فحسب وإنما مسؤولاً يحمل مشروعاً لخدمتها ويمتلك القدرة على تنفيذه ويقبل أن يُحاسب على ما ينجزه أو يقصر فيه نحتاج إلى مسؤول يعرف أن المنصب العام تكليف لا تشريف وأن المواطنين متساوون في الحقوق وأن المدينة أكبر من أي مجموعة وأن تاريخها لا يُكتب باسم فئة واحدة وإنما بأقلام وأعمال وتضحيات جميع الذين أسهموا في بنائها فنيالا لا تحتاج إلى من يحتكرها باسم الجغرافيا وإنما إلى من يخدمها باسم المواطنة.