من خشبة سينما بابنوسة إلى ذاكرة الوطن.. رحيل الفنان مجذوب أونسة

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

كانت مدينة بابنوسة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي واحدةً من أهم المحطات الفنية والثقافية في السودان وملتقى حقيقياً لعشاق الطرب الأصيل حين كانت خشبة مسرح سينما بابنوسة تتوهج بالحياة وتضج بأصوات الفنانين الكبار الذين شكلوا وجدان جيل كامل يومها لم تكن الحفلات الغنائية مجرد مناسبات ترفيهية عابرة بل كانت طقساً اجتماعياً وثقافياً عميقاً تنتظره المدينة كما ينتظر حلول العيد وتتهيأ له النفوس قبل البيوت والشوارع في تلك الأيام النضرة المفعمة بالبراءة والفرح كانت بابنوسة تتحول في الليالي الفنية إلى عاصمة للجمال والطرب تتلاقى فيها الأرواح قبل الأجساد على محبة الفن والغناء كانت القطارات تأتي بالناس من المدن والقرى البعيدة والمجاورة وكانت الأسواق تظل مفتوحة حتى ساعات متأخرة بينما تتصاعد من المقاهي أصوات الراديو بأغنيات العمالقة الذين صنعوا ملامح ذلك الزمن الجميل حين كانت الأغنية السودانية جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية ومن الوجدان الجمعي للسودانيين في تلك السنوات الهنية من العمر كان أول عهدي بالفنان الراحل مجذوب أونسة يوم إنتشرت بوسترات ضخمة تعلن عن حفل جماهيري على خشبة مسرح سينما بابنوسة يشارك فيه نخبة من نجوم الغناء السوداني وهم بالفعل نجوم ذلك الزمن الذهبي استعصى عليّ وقتها اسم (أونسة) نسبةً لأن هذا الاسم كان نادراً في غرب السودان فظننت أن هناك خطأً مطبعياً في البوستر بل ذهبت إلى تصحيح الاسم في مخيلتي إلى (محجوب ونسي) إذ لم أكن قد تعرفت إليه بعد لكن بعد يومين أو ثلاثة ظهر المذيع الشعبي المعروف (بابو) وهو يجوب شوارع المدينة بعربة (الكارو) حاملاً مكبر الصوت يعلن عبر إذاعته الطائفة عن الحفل المرتقب وأسماء الفنانين المشاركين وهم مجذوب أونسة والطيب عبد الله وزيدان إبراهيم وحمد الريح وخوجلي عثمان وحنان بلوبلو رحم الله من رحل منهم وأطال الله في عمر الفنانة حنان بلوبلو ومنذ تلك الليلة إرتبط إسم مجذوب أونسة في ذاكرتي بصوت مختلف صوتٍ يشبه الحنين السوداني العميق ويشبه وجع العشاق وهمس المدن البعيدة كان صوته يحمل شيئاً من دفء الريف السوداني وشيئاً من شجن المدن التي أنهكتها الغربة والفقد لذلك لم يكن مجرد مطرب يؤدي الأغنيات بل كان صوتاً يلامس الأرواح ويوقظ الذكريات غنى ليلتها على ما أعتقد رائعته الخالدة (دا ما سلامك) كلمات الشاعر عزمي أحمد خليل التي يقول فيها (ده ما سلامك ما سلامك ولا الكلام الكان زمان هسي كلامك ولا يعني نويت تسيبنا وفي الخريف تحرم غمامك) وقد كانت هذه الأغنية من أكثر الأغنيات تعبيراً عن لوعة الفقد ومرارة الجفاء لذلك بقيت حية في وجدان الناس رغم مرور السنوات ثم صدح بصوته العذب في أغنية (آخر خبر كتبو في جواب) للشاعر إبراهيم الرشيد وهي من أبرز أغنيات تلك المرحلة وأذكر جيداً كيف كانت كلماتها تكتب على الدراجات واللواري والبصات السفرية في مشهد يعكس مدى إنتشار الأغنية السودانية وقتها وقدرتها على التغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للناس (آخر خبر كتبو في الجواب وعايز أقول أنسى العذاب أترك سبيل قلبي اللذاب ما بين حنين ورقيق عتاب) وقد جسدت هذه الأغنية حالة العاشق السوداني البسيط الذي يختلط في داخله الحنين بالكبرياء والعتاب لم يكن مجذوب أونسة مجرد مطرب يؤدي الأغنيات بل كان حالة وجدانية كاملة وصوتاً يحمل ملامح السودان القديم السودان الذي كانت فيه الأغنية رسالة حب ووفاء وصدق إنساني لا مجرد إيقاع عابر أو كلمات إستهلاكية لذلك لم يكن غريباً أن تتحول أغانيه إلى جزءٍ من ذاكرة الناس اليومية يتوارثونها كما يتوارثون الحكايات والصور القديمة ينتمي الراحل إلى جيل الرواد الذين أسهموا في ترسيخ الأغنية السودانية الحديثة وقدم أعمالاً ستظل خالدة في الوجدان من بينها (أقدار) و(مصابيح الكلام) و(صياد النجوم) و(ما سلامك) و(ازيك إنت وازي عيونك) و(يا الرحتو طولتو وعلي ما سألتو) و(آخر خبر) و(حلم الصبا) و(عزيز أنت يا وطني) و(الفرح المجروح) و(جاوبي إنت نيابة عني حد يقدر ينسى نفسو) و(قلبي العنيد) نشأ الفنان الراحل في بيئة ريفية بسيطة وعمل في مهنة صياغة الذهب التي ورثها عن والده قبل أن ينحاز نهائياً إلى الفن والغناء وربما كان لذلك أثره الواضح في شخصيته الفنية فقد كان يصوغ الأغنيات كما يصوغ الصائغ الذهب بعناية وصبر وإحساس مرهف وذوق رفيع لذلك جاءت معظم أعماله مشبعة بالصدق والبساطة والعمق الإنساني ومن أجمل ما غنى رائعته (صياد النجوم) وهي من كلمات الشاعر حسن الزبير تلك الأغنية التي حملت فلسفة كاملة عن الحب والخذلان والحلم المستحيل (صياد النجوم يا قلبي يا حليلك أدوك سهاد وشقا وأدو الفرحة لي غيرك) ثم يمضي النص في تصوير مأساة العاشق الذي يطارد المستحيل حتى يصل إلى ذروة الحكمة الشعبية العميقة (وأغرب حاجة حسادك أجاويدك يا المسكين شقاك وجبتو بي إيدك) وقد عكست هذه الأغنية ببراعة التناقضات الإنسانية التي يعيشها المحب بين الأمل والانكسار أما أغنية (أقدار) للشاعر الصادق إلياس فقد كانت واحدة من أكثر أغنياته قرباً إلى النفوس لما فيها من صدق عاطفي وإنساني بالغ (أقدار يا نور عيني أنا كنت فاكرك ليّ ما كنت متصور يوم أجيك مغلوب) وهي أغنية تختصر هشاشة الإنسان أمام تقلبات الحب والزمن والأقدار

ومن الأغنيات التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تجربة مجذوب أونسة الفنية أغنية (حد يقدر ينسى نفسو) وهي من كلمات الشاعر محمد نجيب محمد علي ذلك الشاعر الذي شكل مع مجذوب أونسة واحدة من أجمل الثنائيات في تاريخ الأغنية السودانية الحديثة حيث إمتزجت الكلمة الرقيقة بالصوت الدافئ والإحساس العميق يقول فيها (جاوبي إنتي نيابة عني حد يقدر ينسى نفسو؟ يا حلاوة الريد وهمسو بكرة قالت لي حتنسو جاوبي إنتي نيابة عني

حد يقدر ينسى نفسو!!) ثم يمضي النص في تصوير تقلبات العاطفة ومرارة الحنين قائلاً (الزمان فرحني الزمان بيكي عذبني الزمان مرة تايه بين صدودك مرة غامرني الحنان بين نعيمك لي جحيمك) وقد عبّرت هذه الأغنية ببساطة آسرة عن إستحالة نسيان الحب الحقيقي وعن ذلك الصراع الإنساني بين التعلق والخذلان لذلك بقيت من الأغنيات القريبة إلى وجدان المستمع السوداني لما تحمله من صدق شعوري ودفء إنساني عميق ونذكر أغنية (الرحتو طولتو وعلي ما سألتو) التي تحمل قدراً عالياً من الشجن الإنساني وهي من كلمات الشاعر والصحفي حسين أونسة شقيق الفنان الراحل وقد جاءت كلماتها مشبعة بإحساس الفقد والخذلان ومرارة الغياب الطويل وتقول كلماتها (يا الرحتو طولتو وعليّ ما سألتو يا الكنتو مني قراب أنا وين وين إنتو) ثم تمضي الأغنية في تصوير قسوة البعد ووحشة الانتظار (أيام وراها أيام اتكاملت أعوام لا شوفة تفرحني لا حرف شوق لا سلام كيف هانت الأيام ونسيتو يا إنتو أنا وين وين إنتو) وتبلغ الأغنية ذروة ألمها الإنساني في مقطع مؤثر تقول (عهد الوداد خنتو والكان عزيز فتو بدلتو ريدو خلاص بالبيهو ما عرفتوه وين بالو ودرتو ونسيتو يا إنتو أنا وين وين إنتو) وقد عبرت هذه الأغنية بصدق بالغ عن وجع الغياب وانكسار العلاقات الإنسانية حين يطول البعد ويخفت السؤال وتميزت ببساطة الكلمات وعمق الإحساس وهي من الأغنيات التي أظهر فيها مجذوب أونسة قدرته الكبيرة على تحويل الحزن الإنساني إلى حالة فنية خالدة تمس وجدان المستمع مباشرة وفي رائعته (مصابيح الكلام) أو (شيلي من خاطر الفرح وعد الدموع) للشاعر محمد نجيب محمد علي كان مجذوب أونسة يرسم بالأغنية حلم العودة والأمل وتقول كلماتها (شيلي من خاطر الفرح وعد الدموع تعالى نرسم فى مدارات قوس قزح حلم الرجوع تعالى تعالى انا لهواك بس انت اعبر سكتى لا نسيت غناك غناك الشوق يكفى محبتى وانا بين جفاك يا حلوة ديمة وضحكتى شارد هناك هناك شارد على موج الشجن شايلك مصابيح للكلام لى كل شارع فى الوطن بكن نجمات المساء يا حلوة ضواً وانطفن) إلى أن يقول (وانادى ليك من كل واحات التعب واغنى بيك باهواك لكن بغضب يا نجمة الحلم الجميل يا خاطر الشوق البعيد بينى ما بينك رحيل بينى ما بينك غارم يا غالية رغم المستحيل) وقد حملت هذه الأغنية قدراً هائلاً من الشعرية والصور الوجدانية العميقة التي ميزت تجربة مجذوب أونسة الفنية وغنى كذلك أغنية (الفرح المجروح) وهي من كلمات الشاعر محمد نجيب محمد علي إذ يقول فيها (القلب صار مجروح مين اللى بيحن لجراحة بعد الولف والشوق خلوهوا ناس وراحو واصبح وحيد ياليل مالاقى فيك صباحو ماجا الفرح سافر ماقالوا رايح وين ماخلاهو فاتوا دليل غير الدموع فى العين ليه يا فرح تكسوا صبر فؤادى صبر يشيل العذاب المر) وقد عبرت هذه الأغنية عن الألم الإنساني النبيل الذي يرافق الخيبات العاطفية والفقد كما غنى أغنية (أزيك إنت) وهي أيضاً من كلمات الشاعر محمد نجيب محمد علي الذي يعد من أكثر الشعراء الذين كتبوا للفنان مجذوب أونسة وقد شكل معه ثنائية فنية رائعة تقول كلماتها (أزيك إنت وأزاي عيونك وأزاي خطاكي الكان زمان سايقاني لي بر الأمان خلتني في الآخر بدونك) ثم يقول (الليلة مالك ساكتة ساي يعني العيون نست الحنان ولا الحروف جافت غناي ولا الكلام بقى بالسكوت الكلام أصبح سكوت وأنا كل يوم بحيا وبموت) إلى أن يقول (إذا جات سيرة الهوى أو شفت في الحلم البعيد اتنين يناجو الليل سوا اتخيلي الزمن الراح اتخيلي الحال كيف يكون لما يهل علي صباح وأكون براي في قلبي صورتك وصوتك ما معاي) ثم يخاطب محبوبته قائلاً (فاكرة لمن قلت ليك خلي بالك في مشيك واعملي حساب الطريق ختي في بالك حكايتي يا هوايا ونبض ذاتي أصلي من ما شفتك انتي دابي حسيت بحياتي) وقد كانت هذه الأغنية من أكثر الأغنيات تعبيراً عن الشوق والحنين والخذلان العاطفي بلغة رقيقة وقريبة من الناس بينما حملت أغنية (يا حلم الصبا) من كلمات الشاعر محمد نجيب محمد علي وألحان شقيقه حسين أونسة واحدةً من أجمل الصور الشعرية في الأغنية السودانية (أنا جاي ليك من زحمة الدنيا ودروبا المتعبة أنا عندي ليك دروب جديدة وأشواق جديدة) وقد كانت الأغنية احتفاءاً بالحلم والأمل والعودة إلى براءة البدايات كما تغنى بأغنية (قلبي العنيد) من كلمات محمد نجيب محمد علي وهي من الأغنيات التي خاطبت الإنسان السوداني البسيط بلغة وجدانية صادقة (قلت ليه يا قلبي العنيد يا قلبي ما تسرح بعيد تسمع كلامي قبل تتوه تجي ومعاك جرح جديد) وقد جسدت هذه الأغنية الصراع الأبدي بين العقل والقلب في تجربة الحب الإنسانية

ومن الأغنيات التي تختصر مأساة الفراق والهجرة أغنيته (يا قمري يا رحّال) من كلمات الصادق إلياس والتي تبدو اليوم وكأنها مرثية مبكرة لكل الذين غادروا دون عودة (يا قمري يا رحال ما تسيب جناك غير ريش يمكن تجيهو رياح ترميه وبلاك ما يعيش) وهي أغنية موجعة تختصر إحساس الفقد والخوف من الغياب الأبدي لقد جاء رحيل مجذوب أونسة إثر حادث مروري أليم على الطريق الرابط بين عطبرة وأم درمان وكأن القدر أراد أن يختطف واحداً من آخر الأصوات التي كانت تربطنا بزمن السودان الجميل ذلك الزمن الذي كانت فيه الأغنية أكثر نقاءاً وكانت الكلمات تكتب من القلب وتصل إلى القلب مباشرةً بلا ضجيج ولا تصنع

إن خسارة الفنانين الحقيقيين لا تقاس بعدد الأغنيات فقط بل بما يتركونه من أثرٍ في وجدان الناس ومجذوب أونسة كان من أولئك الفنانين الذين عاشوا ببساطة الناس وغنوا لهمومهم وأحلامهم وإنكساراتهم لذلك شعر الناس نحوه بالقرب والألفة وكأنه فردٌ من أفراد الأسرة السودانية الكبيرة لقد كان ذلك الجيل من الفنانين جزءاً من مشروع وطني وثقافي غير مكتوب جيل حمل الأغنية السودانية من حدود المحلية الضيقة إلى رحابة الوجدان الجمعي كانوا يغنون للحب والوطن والإنسان وكانت أصواتهم توحد السودانيين على إختلاف مناطقهم ولهجاتهم وثقافاتهم لذلك ظلوا حاضرين في ذاكرة الناس حتى بعد رحيلهم رحل مجذوب أونسة لكن صوته سيظل حياً في المقاهي القديمة وفي أجهزة الراديو العتيقة وفي ليالي المدن البعيدة وفي ذاكرة الذين أحبوا السودان عبر أغنياته سيظل حاضراً في وجدان البسطاء الذين وجدوا في صوته عزاءاً للحزن ورفيقاً للوحدة ونافذةً للأمل نم قرير العين أيها الفنان الجميل لقد كنت واحداً من أولئك الذين يجعلون الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالاً وسيظل صوتك كما النجوم التي تغنيت بها يوماً يلمع بعيداً في سماء الذاكرة السودانية… لا ينطفئ