نحو تحرير الاقتصاد السوداني من خاطفيه
د. محمد عبد القادر سبيل
حينما يفارق أحدنا الطريق الصحيح من جراء وعورته ويكتشف انه قد ضل، فليس من الحكمة أن يكابر ويواصل السير فيه بعد تعبيده، فليس من خيار أولى من العودة سريعاً الى المفترق حيث فارق جادة الهدى.
الفكرة في غاية الوضوح، ولا تتطلب سوى الأمانة والعزم، ولنبدأ بأسئلة موضوعية واجابات صحيحة.
* ترى متى كان إقتصاد السودان معافى ومزدهرا؟
_ كان ذلك في السبعينات وماقبلها.
* ومامعنى أنه كان معافى ومزدهراً حينئذ؟
_ معناه أن سعر الجنيه السوداني كان مستقراً ويعادل أكثر من دولارين وان معدل نمو الناتج المحلي gdpحوالى 5% ومعدل التضخم اقل من 5% وكذلك معدل البطالة وأن التعليم كان عالي المستوى ومجاناً والعلاج عالي المستوى ومجاناً والرواتب تكفي الموظف والعامل وتفيض، والدولة تتكفل بنظافة البيئة وامدادات المياه ولا تلجأ إلى فرض الجبايات تلو الجبايات لتغطي عجزها، والكهرباء كانت مستقرة وحكومة السودان تدعم السلع وتوفر للموظفين السكن الحكومي والمواد الغذائية بأسعار الجمعيات التعاونية ويومئذ كان وزن الرغيفة يناهز نصف الرطل وسعرها قرشان ولم يكن البوليس يحتاج لأن يأخذ رشوة ولا المعلم كان مضطراً الى رهق الدروس الخصوصية ووالخ
* أو كان ذلك كله؟
_ أجل وكان أكثر منه
* وماذا بعد هذا من نعيم كنتم فيه؟
_ لم اقل لك إن العاملين في الدولة كانوا يسافرون مجانا بتصاريح سفر تتكفل الدولة بسداد فواتيرها. ولم اقل ان الطلاب يستضافون في الداخليات طوال فترة تعليمهم العام والعالي حيث تتوفر لهم كل اسباب الصحة والتغذية والنظافة والترفيه. وكذلك المرضى يستضافون دون فرز في المستشفيات الانيقة يتلقون العلاج والتغذية والفحوصات الجيدة.
* ولكن هذه تكاليف ضخمة، فمن أين كانت توفرها الدولة؟ ولماذا تعجز عن توفيرها الآن؟
_ لقد سألت السؤال المنطقي الأهم والذي يكشف الحقيقة التي يخبئها الساسة وحتى خبراء الاقتصاد الليبراليون منحازين لمصالحهم النخبوية
ضد الحقيقة وضد مصلحة شعبهم ووطنهم لسبب مايزال محيرا ومغطى بدعوى تبدل الظروف والأحوال وفشل التجارب السابقة.
ههنا مكمن العلة وترياقها.
فالدولة كانت غنية تسطيع مواجهة كل نفقاتها العامة من خلال عوائد استثماراتها العامة public investments أو ما يعرف في علم الاقتصاد بالدومين الحكومي الخاص.
على ان أهم ايرادات الخزينة العامة وبالعملة الصعبة كانت تأتي من شركات الصادرات الحكومية التي تسيطر على السلع النقدية كالقطن والصمغ العربي والحبوب الزيتية والمنتجات الحيوانية.. وعبرها تسيطر على العملة الأجنبية واسعارها كما تستطيع أن تستورد السلع الضرورية فتتحكم في أسعارها ومنها: القمح والمحروقات والأدوية ومدخلات الانتاج ومستوردات الحكومة. فقط بهذه المعادلة الواضحة كالشمس والفعالة كالإكسير تتحكم الحكومة في الثروة وتوجهها نحو الشعب كله بالسوية والعدل.
هذا معناه أنه:
إذا عادت الدولة الى إحياء تلك الشركات وقامت برفع كفاءتها من خلال تطبيق نظم الحوكمة وتوظيف الخبراء الأجانب فسنعود خلال سنة واحدة ألى الطريق الذي بارحناه لنبدأ من هناك خطوات الازدهار..
ولكن هذا التوجه للأسف مرفوض الآن بشدة من جانب الساسة والمستشارين والخبراء معاً فللسبب ذاته يستمسكون بسياسة التحرير الاقتصادي التي اوردتنا المهالك وبذرائع شتى بكرسون الداء ومن تلك الذرائع: هيمنة الفساد الحكومي أو ضعف الكفاءة وعدم وجود دافع للعمل لدى الموظف العام أو أن التجارة ليست وظيفة الدولة وهكذا مبررات مخجلة ومتواطئة مع التردي القائم.
تلك هي فتواهم الثابتة وبالتالي فإما أنهم وكلاء أو شركاء في شركات تصدير أو يعملون فيها بصورة ما ولذلك يدافعون عن مصالحهم الضيقة. لأنه من المستحيل ان ينكروا نصاعة البديل الذي كان سائدا بنجاعة مطلقة خلال الخمسينات وحتى السبعينات
أحل البديل واضح كالشمس:
هيمنة الحكومة بالكامل على صادر السلع النقدية وفي مقدمتها الذهب. وهذا بدوره سيضمن لها ايراداً سنويا من العملة الصعبة يناهز 15 مليار دولار كافية جدا للخروج بنا من المأزق الاقتصادي الى رحاب السعة والنماء المطرد.
لافتة:
ماتزال ثروات السودان تنتهب من جانب التجار بسبب سياسة التحرير الاقتصادي وتقاعس الحكومة عن واجبها المتمثل في السيطرة على مصادر إيرادات العملة الصعبة.. فمن يحرر اقتصادنا الوطني من خاطفيه؟.
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري وباحث اقتصادي
