د/محمد عبدالقادر سبيل يكتب : اقتصاد النهب..المجتمع السوداني يتداعي!

اقتصاد النهب.. المجتمع السوداني يتداعى

د. محمد عبد القادر سبيل

هذه رسالة مستعجلة إلى المفكرين والباحثين والكتاب في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة والقانون، فثمة ضرورة قصوى الى تمحيص ظاهرة النهب التي اتسعت رقعتها واستشرت في السودان طولاً وعرضاً، على نحو وبائي، بما يلقي ظلالاً سالبة وكثيفة على صلاحية الحياة وجهود التنمية والانتاج في البلاد.؟
الأمر جلل .. فالنهب حاضر في كل مكان وكل زمان ولا أمل في وازع أو رادع. بل بات نشاطا اقتصاديا مألوفاً، وليس مجرد شفشفة دعامة.
الحكومة تفرض الجبايات حسب حاجتها وشركات الاتصالات والبنوك تنهب من رصيدك وأنت في عقر دارك لا تأمن على ممتلكاتك، وامام الدار عربتك تنزع عجلاتها وبطاريتها وكل ما لا يخطر على بال في لحظات . يحدث هذا دون أن يستغرب احد أو يعزيك احد. ولكن (الجاتك في مالك سامحتك) والمتوقع أنها ستتعدى مالك إلى نفسك وولدك في يوم قريب إلا أن يلطف بنا رب العالمين.
كم من صاحب مزرعة اليوم يهجرها بسبب تكرار سرقة وسائل انتاجه بل وحتى محصوله كله بما يجعل الاستثمار محض مغامرة رعناء بلا طائل في مجتمع بات بلا أمن وبلا أمانة أو ثقة في احد.
دعوني أذهب الى عزو هذا الركود الاقتصادي وغلاء المعيشة الناجم عن شح الانتاج( العرض) الى تأثير هذه الظاهرة الفاقعة امام أعين السلطات والساسة دون ان يهتموا لأمرها العظيم والمتفاقم إلا على سبيل تحميل الخصوم مسؤوليتها.
السطو اليومي يبتلع حقوق الناس في السودان حيثما وليت وجهك ويستهدف أيضاً صميم مظان الاستثمار والتنمية، إذ صار يجتاح المحال التجارية والورش والمصانع فضلاً عن البيوت والبنيات الاساسية كقضبان سكك الحديد وكوابل الكهرباء ومواسير ومضخات المياه، فما بالك بالمزارع التي في الخلاء البعيد؟.
نحن هنا لندق ناقوس الموت القادم وليس الخطر فحسب، لأن عدد الذين اغلقوا مزارعهم ومصانعهم ومحلاتهم في تزايد مطرد ولا يجدون من يشتريها منهم بثمن بخس، فالكل خائف، ولا يوجد شعور بوجود الدولة، فماذا نتوقع من مآل خلال عقد من الزمان إذا استمر هذا التدهور الامني المريع سوى الهرج وقتل الناس في بيوتهم بعد ان أصبحنا بلاداً بلا إنتاج وبلا دخل إلا بوسيلة حمل السلاح والنهب؟
القصة أكبر من الدعم السريع الذي هو إلى زوال فالذين نهبوا البيوت ليسوا فقط مرتزقة الدعم السريع وحدهم بل معظمهم مدنيون من سكان الاحياء الطرفية ومن هؤلاء أنفسهم كانت تتشكل عصابات (تسعة طويلة) قبل الحرب.
العاقبة ستكون مجتمعاً يتحول بسرعة الى لصوص بحكم الأمر الواقع وبطرق مختلفة إلى أن ينهار كلياً بعد وقت وجيز، لأن وسيلة الكسب الانجع والأجدي هي : النهب. فإذا لم تنهب فإنك لا محالة منهوب!.
كيف لا ورجل الشرطة مكبل لا يفعل سوى التظاهر في الطرق حيث يطلق صافرات الوعيد وفي الاعلام يطمئن الناس بالكلام الجميل، حتى إذا استصرخه المواطن لا يستجيب. بل ثمة من يقطع الطريق ليهددك حتى تدفع او يلبسك تهمة .. وهذا لعمري أشر انواع النهب المسلح.
يا أيها الناس، استيقظوا، فالنهب بات ثقافة عامة وسلوكا معتادا جرى تطبيعه مع مرور الوقت باللامبالاة ثم التعايش.
الموظف اليوم يقدم لك الخدمة العامة بالمال، والطبيب يبتزك ويستنزفك بما يحملك من اعباء الفحوص والعمليات الجراحية التي لا ضرورة لها. بل والدولة ذاتها تنهب المواطن والمستثمر معا بالجبايات المترادفة وغير المستحقة. والأهم من ذلك كله فإن تجار الدولار والهاربون بحصائل الصادر ينهبون ثروة شعب باكمله والدولة تتفرج أو ينتفع وزراؤها ومستشاروها فيلوذون بالصمت والتبرير السخيف.
السودان الان يعيش ظاهرة إقتصاد النهب بامتياز. فالسحت هو مصدر الدخل المتاح والفعال. والمواطن المحترم هو المستباح والمستنزف.
إذاً فمن نرتجي ليواجه هذا الواقع المرعب.؟ هل ننتظر الحكومة التي تنهب مواطنيها بضريبة الطاقة الشمسية؟
وهل درس الاقتصاديون في بحوثهم العلمية أثر استشراء ظاهرة النهب على معدل نمو الناتح المحلي كونه بات مصدرا جديدا للدخل ومثبطا لنمو الاستثمار الحقيقي وأثره على معدل التضخم؟ وما اذا كان يعد جزء من الاقتصاد الاسود داخل اطار اقتصاد الظل.
وإذا جمعنا الأيدي الآثمة المنخرطة في المليشيات من باب الارتزاق ( باسم القضية)واضفنا عصبات الليل وعصابات تسعة طويلة والشماشة الذين يفكفكون قطع السيارات الواقفة.. فكم يبلغ حجم القوة العاملة في هذا القطاع المستبعد من الدراسة والاحصاء رغم تناميه المطرد وآثاره العميقة؟ أم أن هؤلاء يعتبرون عمالة مزيفة تقع خارج نطاق البطالة وخارج القوى المنتجة.
مهما يكن فنحن امة تلفظ أنفاسها الاخيرة وتتحول الى ثلل همباتة كما كانت الحال قبل نشوء الدولة الحديثة.

الحل كما نتصوره.. في مقالنا المقبل.

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري وباحث إقتصادي