يثور هذا السؤال في ذهني كلما مرت ذكري الاستقلال وأعتقد أن البحث عن إجابة يقتضي تحليل عميق للعوامل التي أسهمت في سقوط تلكم الشعارات البراقة التي تداخلت واختلطت وتشابكت مع افرازاتها و نتائجها الي أن تحولت الي عقدة مستمرة لم تستطيع النخب حلها .إذ أصبحت دوامة جبارة او دائرة مفرغة صعب معها التميز بين السبب والنتيجة .
نال السودان استقلاله كغيره من دول العالم الثالث بل سبق بعضها بنحو عقد كامل أو أكثر وحتي لو فرضنا جدلا ان خروج المستعمر اقتصر فقط علي الجوانب المادية او الشكلية وفقا لخلاصات عقلية المؤامرة فإن ذلك لن يعفي النخب من مسؤلية تجاوز التحديات و بناء مشروع وطني جامع تمكنت شعوب مرت بأحوال مشابهة او مطابقة لحالنا من إنجازه لأنها لم تركن الي المبررات التي غذتها ادبيات مدارس التبعية اليسارية وما نتج منها من افكار هتافية خلطت السياسة بالاقتصاد كنظرية المركز والهامش في سياق التنافس مع الراسمالية لتبرير هذا العجز وإيجاد اعذار دايمة بمنطق تاكلت نظريته فلسفيا من الداخل وبالتالي لم يعد شماعة قادرة علي حمل كل اسباب الفشل في عصر ما بعد العولمة والرقمنة . ومعلوم ان تلك الافكار توالدت وتكاثرت مع استعار حمي الاستقطاب إبان الحرب الباردة ولكنها لم تعد ذات جدوي مع الانفتاح السياسي والاقتصادي الكبير ما بعد تلك الحقب . وكان لابد من التفكير العميق لإجتراح افكار منبثقة من فلسفة وطنية ومنظور تاصيلي ينتج افكار ورويء قادرة علي تجاوز محنة السؤال استنادا عل تحليل علمي يتيح قدرا من الحياد لتفكيك جوهر الازمات الوطنية واستيلاد افكار وليس استيرادها من سياقات اجتماعية واقتصادية لها خصائص وخصوصيات مختلفة أسوة بدول ومجتمعات شبيهة بحالتنا ومرت بذات تجربتنا مثل الهند والصين وماليزيا وكل ودول شرق آسيا التي أنجزت مشاريع نهضتها بأفكار ورؤي وطنية واقعية أصرت عليها حتي اتهم غلاة الماركسيين ماو تسي تونغ ابو النهضة الصينية بتحريف الماركسية ولكنه لم يلتفت إليهم ومضي نحو تحقيق أهدافه ونجح .
وصبرت تلك الدول علي نماذجها الخاصة و لم يحدث بها كالذي حدث لنا من تذبذب في المواقف جراء التجريب المستمر والتارجح بين المدارس الفكرية والسياسية والخطط التنموية كما فعلنا حتي فاتت علينا فرصة الاستفادة من احد القطبين ايام احتدام الصراع الشرس بينهما لذا فان ما حدث لايعتبر مضيعة للوقت واهدار الفرص بل كانت توهان اسقطنا في وحل التخبط الذي كرس هذا النوع من الاستلاب وافرز واقع الاقصاء والتعصب الأعمي بالأصرار علي تطبيق نماذج لم تنشا وتتطور في سياقتنا الاجتماعية او السياسية او الاقتصادية بصورة طبيعية حتي تعدي الأمر مرحلة إسقاط الشعارات الي إسقاط الدولة نفسها .
و ادي الي انغماس النخب في سجالات ديماجوجية ومغالطات ايدلوجية انحيازا لايدلوجيات مغلقة حبست التجربة في المعادلات الصفرية و افقرت محصلة الحوارات الوطنية وافرغتها من اي محتوي يفيد تاسيس او بناء دولة قادرة علي إنزال تلكم الشعارات او تطبيقها في ارض الواقع بل حالت دون التوصل الي حد ادني من التوافق لازالت التشوهات التي منعت هياكل الدولة من القيام بمهامها وواجبتها بالكفاءة المطلوبة حتي تضعضعت الي ما دون المستوي الذي تركها عليه المستعمر .
