وفاة شابين داخل معسكر الشرطة.. لماذا يخاف المسؤولون من الحقيقة؟علي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

أعلنت الشرطة السودانية وفاة الطالب شرطة محمد بخيت محمد والطالب خالد فيصل أحمد أمبدي إثر تعرضهما لوعكة صحية مفاجئة بعد إسعافهما إلى مستشفى الشرطة ببري في الخرطوم لتلقي العلاج وقالت الشرطة في بيانها إن الطالبين المتوفيين ينتميان إلى الدفعة (51) مهنيي الجمارك وإن التقرير الطبي أرجع سبب الوفاة إلى جفاف حاد ناتج عن ضربة شمس إلى هنا انتهى بيان الشرطة لكن ما انتهى في البيان لم ينتهِ في عقول الناس ولا في قلوب أسر الشابين ولا في وجدان السودانيين الذين تابعوا الخبر بصدمة وحزن وتساؤلات مشروعة فنحن نرجو من الشرطة السودانية أن تبادر بإجراء تحقيق شفاف وعادل ومستقل لكشف ملابسات وفاة الشابين داخل معسكر يتبع لكلية الشرطة لأن ما حدث لم يعد مجرد خبر عابر يمكن تجاوزه ببيان مقتضب أو تفسير مختصر لا يجيب على الأسئلة الجوهرية التي تدور في أذهان الناس

فوفاة شابين في وقت متقارب داخل معسكر واحد وهما من منطقة واحدة وبسبب معلن واحد ليست مسألة يمكن التعامل معها بخفة أو اختزال خاصة وأن الأمر يتعلق بمؤسسة يفترض فيها الانضباط والرعاية والقدرة على حماية منسوبيها قبل غيرهم ومن حق الرأي العام بل ومن واجب الدولة نفسها أن تعرف الحقيقة كاملة بلا غموض أو مواربة أو تعجل في إغلاق الملف هذان الشابان لم يكونا مجرمين ولا مطلوبين للعدالة ولا ضحايا معركة في منطقة نائية ولم ينتموا إلى المليشيا بل كانا شابين سودانيين حملا حلماً مشروعاً واختارا الإنضمام إلى كلية الشرطة حباً في خدمة وطنهما وإيماناً بمؤسسة الدولة وثقةً في أن هذه المؤسسة ستكون حاضنة لأحلامهما وطموحهما ومستقبلهما دخلا المعسكر بأقدامهما وبأحلام أسرتيهما وبفخر أهلهما.ثم خرجا منه جثمانين وهذه الحقيقة وحدها كافية لأن تهز الضمير الوطني وتفرض تحقيقاً عاجلاً وشفافاً لا مجاملة فيه لأحد لأن احترام الدولة يبدأ من احترام حياة مواطنيها خاصة أولئك الذين اختاروا أن يرتدوا زيها الرسمي ويخدموا تحت رايتها إن الدولة التي نقف معها ونحلم بها ليست دولة البيانات الباردة والشعارات الجوفاء وإنما دولة العدالة والمسؤولية والمحاسبة الدولة التي لا تفرق بين مواطن وآخر والتي يشعر فيها الجميع أن دماءهم ليست رخيصة وأن كرامتهم الإنسانية مصونة مهما كانت أصولهم أو مناطقهم أو انتماءاتهم الاجتماعية

وقد عبّر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن هذا المعنى العظيم حين قال (لو عثرت بغلة في أطراف العراق لسألني الله عنها لِمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر؟) فإذا كان هذا هو ميزان المسؤولية تجاه دابة في الطريق العام والدابة نفسها عثرت ولم تسقط كاملاً فكيف بأرواح شابين سودانيين فقدا حياتهما داخل مؤسسة رسمية تتبع للدولة؟ إن أكثر ما يثير القلق ليس الوفاة وحدها وإنما طريقة التعامل مع الحادثة فالإعلان السريع بأن السبب هو (ضربة شمس) دون تقديم تفاصيل طبية دقيقة أو نشر تقرير واضح للرأي العام أو الإعلان عن فتح تحقيق مهني مستقل لا يساعد على تهدئة النفوس بل يفتح الباب واسعاً أمام الشكوك والتأويلات والمزايدات

فالناس لا تبحث عن الإثارة وإنما عن الحقيقة ومن حقهم أن يتساءلوا كيف اختارت (ضربة الشمس) شابين بعينهما من بين عشرات أو مئات المتدربين؟ وكيف وقعت الحالتان في المكان ذاته تقريباً وفي التوقيت نفسه؟ وهل كانت هناك ظروف تدريب قاسية فوق الاحتمال الطبيعي؟

وهل توفرت المياه والإجراءات الوقائية الكافية داخل المعسكر؟

وهل كانت هناك متابعة صحية وإشراف طبي مستمر أثناء التدريبات؟ وهل تم التعامل مع الحالتين بالسرعة المطلوبة منذ ظهور الأعراض الأولى؟ وهل كانت وحدات الإسعاف والتدخل الطبي مجهزة بالصورة المناسبة؟ وهل توجد مراجعات دورية لسلامة بيئة التدريب داخل الكلية؟ هذه ليست أسئلة عدائية ضد الشرطة وليست محاولة لإستهداف مؤسسة وطنية بل هي أسئلة طبيعية ومشروعة في دولة يفترض أنها تحترم عقول مواطنيها وتحترم حقهم في المعرفة إن المؤسسات القوية لا تخاف من التحقيقات ولا تنزعج من الشفافية بل تزداد احتراماً وثقةً عندما تواجه الأزمات بشجاعة ووضوح أما دفن الأسئلة تحت البيانات المقتضبة فهو أمر يضعف الثقة العامة ويضر بصورة المؤسسة أكثر مما يحميها وفي الدول التي تحترم قيمة المسؤولية العامة يتحمل المسؤولون تبعات التقصير الأخلاقي والإداري حتى قبل ثبوت المسؤولية الجنائية وقد شهد العالم مراراً مسؤولين كباراً يقدمون استقالاتهم بسبب حوادث أقل خطورة من فقدان أرواح بشرية وتُروى قصة مسؤول في بلدية نيويورك قدّم استقالته عقب نفوق عصفور أي والله عصفور في حديقة سنترال بارك وهي حديقة موجودة في مانهاتن بمدينة نيويورك في الولايات المتحدة مبرراً ذلك بشعوره بالمسؤولية عن عدم توفير الرعاية البيطرية اللازمة في الوقت المناسب فإذا كانت قيمة الحياة هناك تدفع مسؤولاً للإستقالة بسبب عصفور فكيف لا تهتز مؤسساتنا الرسمية لوفاة شابين في مقتبل العمر داخل معسكر تدريبي تابع لها؟ ثم إن القضية هنا لا تتعلق فقط بسبب الوفاة بل بثقافة كاملة يجب أن تسود داخل مؤسسات الدولة ثقافة الاعتراف والمحاسبة واحترام الإنسان والشفافية أمام الرأي العام فالخطأ البشري قد يقع في أي مؤسسة في العالم لكن الفرق الحقيقي بين الدول هو في كيفية التعامل مع الخطأ هل تتم مواجهته بشجاعة وعدالة؟ أم يتم الالتفاف حوله بالصمت والبيانات المختصرة ومحاولة إغلاق الملف سريعاً؟ إن المطلوب اليوم ليس التسرع في الاتهامات ولا إطلاق الأحكام قبل اكتمال الحقائق وإنما المطلوب ببساطة هو تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة تضم جهات قانونية وطبية ومهنية وممثلين من أسر الضحايا تعلن نتائجها للرأي العام بكل شفافية وعلى ضوء تلك النتائج تتخذ القرارات المناسبة سواء بالمحاسبة إذا ثبت وجود تقصير أو حتى شبه جنائية أو بإنصاف المسؤولين إذا ثبت عكس ذلك فبهذا وحده يمكن إغلاق الباب أمام الشائعات والاستغلال السياسي والمزايدات العاطفية وبهذا فقط يشعر الناس أن الدولة تحترمهم وتحترم عقولهم وآلامهم أما الاكتفاء بعبارة مقتضبة مثل (ضربة شمس) دون تفسير مقنع أو تفاصيل واضحة فهو أمر لا يساعد على بناء الثقة بل يضاعف حالة الاحتقان والريبة في نفوس الناس خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السودان اليوم والتي جعلت المواطنين أكثر حساسية تجاه أي قضية تتعلق بالعدالة والشفافية وحقوق الإنسان إن أرواح السودانيين ليست أرقاماً في كشوفات رسمية وليست تفاصيل هامشية يمكن تجاوزها بسرعة وكل روح تفقد داخل مؤسسة حكومية يجب أن تتحول إلى قضية رأي عام تراجع فيها الإجراءات وتقيم فيها المسؤوليات لأن الدولة التي لا تحاسب نفسها تفقد تدريجياً قدرتها على إقناع مواطنيها بالعدالة رحم الله الشابين رحمة واسعة وألهم أسرتيهما الصبر والسلوان أما السودانيون فإن أقل ما ينتظرونه اليوم هو الحقيقة الكاملة… لا أكثر ولا أقل