نبارك نهاية الحرب..التسليم يتواتر
د. محمد عبد القادر سبيل
تتوج أوبة قائد العمليات الخاصة بالدعم السريع محمد الفنجري سلسلة متواترة من استسلامات قوات المليشيا تجاوزت العشر دفعات كبرى بجانب المجموعات الصغيرة في محاور القتال المنكمشة لصالح الجيش.
فإذا تصاعدت وتيرة هذه الظاهرة خلال الشهرين المقبلين ( نوفمبر وديسمبر) فسنكون أكثر بينة في استنتاجنا الذي يرجح وجود اتفاق غير معلن على استسلام قوات التمرد أفواجاً ودفعات على اسس يعلمها العسكريون،، وإلا فما معنى أن تستسلم قوات المهام الخاصة بقيادة الفنجري في أوج زخم العمليات التي على اثرها تتراجع المليشيا يوميا في كردفان ودارفور معاً، فهذه قوات تدخر عادة للعمليات الأشد خطورة وأهمية ولابد أن قيادتها المركزية تراقبها عن كثب وتبث وسطها استخباراتها وعيونها التي ترصد اية بوادر للتمرد او التخاذل عن القتال.
ومن دواعي الظن ان ما نرصده هو استسلام جماعي متفق عليه، أن احد القادة الكبار الذين عادوا بقواتهم الى حضن الوطن( لعله السافنا) كان قد رفض في لقاء اعلامي وصف عودته بأنها حالة استسلام، وقال ما يفهم منه أنه عاد بترتيبات معينة واتفاق وقناعة.
سيقول قائل إن الشيخ موسى هلال بمكانته ونفوذه القبلي هو من لعب ويلعب الدور الأهم في التواصل مع تلك المجموعات العائدة مع تقديم طمأنات وضمانات السلامة لهم، وهذا افتراض ممكن ومنطقي، ولكن المجموعات التي عادت ليست كلها من قبيلة المحاميد التي للشيخ نفوذ مباشر عليها.
ومما يعزز فرضية الاتفاق المسبق أنه فيما عدا عودة القائد ابوعاقلة كيكل في اكتوبر ٢٠٢٤م فإن الدفعات العشر التي تلته جاءت كلها تباعاً في الستة أشهر الاخيرة ( معدل مجموعة كل اسبوعين) حيث بدات بالنور القبة في ابريل الماضي ثم تتالت، وكلما تقدمنا الى الامام كلما تقاربت الفترات بين المجموعات العائدة، ربما بسبب اطمئنان المجموعات المتأخرة على سلامتها وعدم الغدر بها بناء على تجارب من سبقوها.
زد على ذلك لجوء قيادة الدعم السريع أخيرا الى كثافة استخدام الطائرات المسيرة من داخل اثيوبيا بما يدل على اليأس واستنفاد اغراض القوات البرية والاستعداد للتخلص من اعبائها الباهظة دون جدوى. وما المسيرات الا نوع الاستجداء والاستدراج نحو الجلوس الى طاولة المفاوضات لإنهاء هذه الورطة بأقل الخسائر الممكنة.
وفي الحقيقة فإننا لا ندري لماذا يصر الجيش على الوصول بالحرب الى نقطة الصفر بعد ان اتضح جليا انتصاره المبين، كما ان تفاوضه يمكن ان ينحصر على خطوات التسليم وبعض المكتسبات التي تحفظ لهم ماء الوجه.
إن نقطة الصفر في مواجهات الحروب لا تحمد عقباها، لأنها تسبب تبعثر القوات المعادية وقد تخلق من كل مجموعة هاربة نواة لجماعة مسلحة مدعومة من الخارج.
وفي رأينا انه إذا سارت مجريات المعارك على نحو ما هو ماثل فالانفع ان يعلن الجيش وقف العمليات بنهاية ديسمبر في كل الاحوال حتى يكسب الدول التي تدعو الى ذلك في معركة اعادة الاعمار بدل خسرانها جميعاً وطويلاً في المستقبل.
مهما يكن من أمر، فإن سياسة العفو وفتح باب الاستسلام بسلام الراهنة تعد درساً عسكرياً آخر من الدروس التي ادهش بها الجيش السوداني العالم خلال ادارته لهذه الحرب المدرسة. حيث اتصف الجيش بمرونة عالية وثقة بالنفس في التعامل مع منتقديه القحتيين والدوليين، ومع العدو، على كثرته وعدته وعتاده وانصاره، بما اعجز ترسانات وتاكتيكات ودول وخبراء مرتزقة لهم شأن.
يبقى السؤال المهم في هذا الصدد..
إذا كانت هذه العودات الجماعية المتلاحقة تتم وفق نسق وترتيب مسبق من جانب استخبارات الجيش التي اثبتت عبقريتها الفائقة في هذه الحرب بقدر اثبات سلاح الطيران عزيمته العجيبة.. فمع من على الطرف الآخر. يتم التنسيق؟
في ظني انه يتم مع حميدتي ذاته ولكن من وراء ظهر عبد الرحيم اخيه. والله اعلم. اقول ذلك لأنه لم يلاحقهم بالاوصاف اللاذعة ولا بالمراقبة اللصيقة التي تمنعهم من الالتحاق بحضن الوطن.
والله يهدي الى سواء السبيل
ملحوظة:
لا اتوقع بعد استكمال دفعات الاستسلام التي ستتزايد وتيرتها في الشهرين المقبلين أن يعلن حميدتي او شقيقه التسليم رغم انفضاض جيشهم وقادتهم الكبار. ولكن ارجح ان يعلن قائد عام الجيش في لحظة معينة _ يقدرها هو وهيئة العمليات_ وقف العمليات القتالية تمهيدا لتسليم البقية الحيرى التي تنتظر قدرها.
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي
