حين يغيب السؤال: يمضي الوطن نحو المجهول
٢٠٢٦/١٠/١٠
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
كيف لأمّة تغيب عقلُها أن تبني حضارة؟ فالأمم لا تتأخر حين تفتقر إلى الموارد فحسب وإنما حين تفقد شجاعة السؤال. وأخطر ما يصيبها أن تخاف من التفكير أكثر من خوفها من الخطأ فيصبح الصمت فضيلة والتكرار يقيناً والوهم حقيقة. الحضارة تبدأ حين يستيقظ العقل.
كثيراً ما شغلنا أنفسنا بسؤال ومن يملك السلطة والسلاح والمال؟ بينما ظل السؤال الأعمق مؤجلاً، كيف نصنع إنساناً حراً في تفكيره مستقلاً في قراره قادراً على الاختلاف دون أن يحوّله إلى خصومة؟ الدولة التي تريد مستقبلاً مختلفاً لا يكفيها بناء الطرق والجسور والمصانع عليها أولاً أن تبني عقلاً مختلفاً. فكل بنية لا يغيّر الإنسان قد يغيّر ملامح الأرض لكنه يعجز عن تغيير مسار التاريخ.
حين يصبح السؤال جريمة يتحول التعليم من صناعة العقل إلى حراسة الذاكرة، الأمة التي تخاف السؤال لا تُخرج عقولاً تبحث وتفكر وإنما تحفظ اجابات جاهزة وتخشى الاقتراب من الأسئلة. وحين يتعلم الطالب حفظ الإجابة قبل أن يتعلم صناعة السؤال، قد يحمل ورقةً تُسمّى شهادة، لكنه يُحرم من قدرة التفكير وشجاعة البحث.
السؤال ليس تمرداً على المعرفة بل طريقٌ إليها، فالعقل الذي لا يسأل يبقى أسير الماضي أما الذي يسأل يفتح للمعرفة أبواباً لم تكن تُرى. فالسؤال لا يناقض الإيمان فقد سأل إبراهيم عليه السلام ربَّه. (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). فكان السؤال طلباً لطمأنينة القلب لا شكاً في اليقين.
من هنا بدأ رحلة الإنسان من التلقّي إلى الفهم ومن التقليد إلى الاكتشاف ومن تكرار ما كان، إلى صناعة ما ينبغي أن يكون. فالأمم لا تنهض بعقول تحفظ الإجابات وإنما بعقول تملك شجاعة السؤال وفضول المعرفة وحرية البحث.
الأزمة تبدأ حين يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن الإجابة الصحيحة تأتي من الأعلى، وأن مخالفة السائد مخاطرة وأن كثرة السؤال إزعاج وأن اختلاف الرأي يحتاج إلى تبرير. عندها لا نُنشئ عقلاً يفكر وإنما عقلاً يتعلم كيف يطلب الإذن قبل أن يفكر.
ثم نسأل لماذا لا ننتج فكراً؟ وقد ربّينا أجيالاً على الخوف من التفكير؟ كيف ننتظر من عقل تعلّم الصمت أن يتحدث؟ وكيف ننتظر منه الإبداع وتعلّم أن الإجابة الجاهزة أكثر أماناً من السؤال وأن رضا الجماعة أقل كلفة من مخالفتها؟ لقد جعلنا السلامة في أن تقول ما يريد الآخرون سماعه فلم تعد أزمتنا فقرَ الأفكار وإنما خوفُنا من الإنسان الذي يملك فكراً.
الاستبداد لا يبدأ دائماً من فوهة بندقية كثيراً ما يبدأ من مقعد دراسي، حين يتعلم الطفل أن المعلم لا يُخطئ والكبير لا يُناقش والجماعة لا تُسأل والمختلف متهمٌ حتى يثبت العكس. في اللحظة التي يُعاقَب فيها السؤال ويُكافَأ الامتثال يبدأ العقل في تعلّم الطاعة قبل أن يتعلم التفكير.
ثم تنتقل هذه الثقافة من المدرسة إلى الأسرة ومنها إلى المجتمع ثم إلى السياسة ومؤسسات الدولة، حتى تتحول الطاعة من سلوك فردي إلى ثقافة عامة، يصبح فيها السؤال إزعاجاً والاختلاف تهديداً والنقد خروجاً على المألوف. فيصبح الإنسان بالغاً بجسدِه صغيراً في قدرته على التفكير.
حين يفقد الإنسان ثقته في عقله يبحث عن الحقيقة خارج نفسه لا يسأل ما الصواب؟ وإنما يسأل ماذا يعتقد الناس؟ وهنا تبدأ المأساة. فالقطيع قد لا يعرف الطريق، لكنه يخشى أن يمشي وحده. الكثرة قد تكون قوة حين تجتمع حول الحق والعدل، وحين تحلّ محل العقل يُصبح معياراً للصواب.
وقد يمضي مجتمعٌ بأكمله في الاتجاه الخطأ، لأن كل فرد ينتظر أن يسبقه الآخر الاعتراف بالخطأ. هنا يبلغ الخوف الاجتماعي ذروته حين يصبح الإنسان شجاعاً في مواجهة المختلف وعاجزاً عن مواجهة نفسه.
ولهذا قد لا يخشى الناس الفكرة ذاتها، بقدر ما يخشون ما تفرضه عليهم من مراجعة لما ألفوه. فالمفكر لا يزعجهم لأنه يقول ما لا يعرفون، وإنما لأنه يجعلهم يرون ما اعتادوا ألّا يروا. وأخطر ما يمكن أن يفعله مجتمعٌ بعقله أن يجعل التفكير نفسه جريمة.
الجهل مريح لأنه يعفي الإنسان من مسؤولية ما لا يريد أن يرى، أما الوعي فيضع الحقيقة أمامه بلا ستار. حين تعرف تصبح مسؤولاً وحين ترى الظلم يصبح صمتك موقفاً وحين تدرك الخطأ تصبح مجاملته مشاركةً فيه لذلك ثمن الوعي أن تفقد راحة الوهم فمن رأى الحقيقة مرة يصعب عليه أن يستعيد طمأنينة العمى.
الوطن لا يحتاج إلى إعادة إعمار الحجر وحده، وإنما إلى بناء الفرد الذي سيحمي ما يُبنى. يمكن أن نشيد المدارس ونُعيد إنتاج الجهل، ونملأ الجامعات ونُخرّج موظفين يخافون المبادرة ونضع القوانين ثم نبحث عن منافذ للالتفاف عليها ونُعيد بناء المدن ثم نُعيد إنتاج الأسباب التي هدمتها.
نحتاج إلى مدرسة يتعلم فيها الطفل كيف يسأل قبل أن يتعلم كيف يحفظ، وجامعةٍ تُنضج العقل النقدي لا تكدّس المعلومات ومؤسسة تكافئ الكفاءة لا القرب وإعلام يعلّم الاختلاف دون كراهية. نحتاج إلى دولة يكون فيها القانون أعلى من الولاء ومجتمعٍ يستطيع أن يقول للمفكر أختلف معك دون أن يقول له اصمت.
الحرية لا تبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، وإنما من إنسانٍ يملك شجاعة أن يقول. (لا أعرف) ثم يبحث و(أختلف) ثم يحاور و(أخطأت) ثم يصحح. فالحر لا يخشى أن يقف وحده حين يكتشف أن الطريق الذي تسلكه الأغلبية يقود إلى الخطأ؛.
لا تُبنى الدولة الحرة بمجرد سنّ القوانين وإنما ببناء إنسان يمتلك عقله، ويصون حريته ويحترم اختلاف الآخرين. وهذا لا يتحقق إلا بتعليم يوقظ التفكير وثقافة تتسع للتعدد ومؤسسات تحمي استقلال الرأي واقتصاد يمنح الإنسان استقلاله وكرامته ومواطنةٍ تجعل السودان وطناً للإنسان قبل أن يكون ساحةً لتنافس الجماعات.
إن تجديد الأوطان يبدأ بتجديد طريقة تفكير أبنائها، فبقدر حاجتنا إلى إجابات جديدة نحتاج إلى شجاعة طرح الأسئلة. لماذا نخاف من الاختلاف ونخلط بين الولاء والطاعة ونرى في النقد عداءً ونربّي أبناءنا على حفظ الإجابات النموذجية بدلاً من البحث عن الحقيقة؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً وإنما جوهر البناء الحقيقي. فخروج الوطن من دائرة أزماته يبدأ بإعادة بناء البيئة التي تصنع الإنسان من الحفظ إلى الفهم ومن التلقين إلى السؤال ومن الخوف من الخطأ إلى التعلم منه ومن التبعية إلى المسؤولية.
الوطن الذي لا يعيد بناء الإنسان قد يسترد مدنه لكنه يظل مهدداً بفقدانها من جديد. نريد جيلاً لا يحفظ الإجابات، وإنما يصنع الأسئلة ولا يتبع الجماعة قبل أن يفكر في الطريق. فالحضارة تبدأ بعقل يفكر دون خوف ويسأل دون تردد ويختلف دون كراهية ويعترف بخطئه دون أن يرى فيه هزيمة. حين يصبح السؤال حقاً والاختلاف فضيلة والحرية مسؤولية يدرك الوطن أن الإنسان غايته، وأن بناء العقول هو الضمانة الحقيقية لبقاء الأوطان.
abudafair@hotmail.com
