العلاقات السودانية المصرية.. لا تبرير للقتل ولا مجال للمزايدة: بين سيادة الدول وحرمة الدماء وعمق المصالح المشتركة

ضل الحراز : علي منصور حسب الله

 

لا أحد في السودان أو مصر ينكر عمق العلاقات المصرية السودانية ولا يستطيع أحد أن يتجاهل الوشائج التاريخية والجغرافية والثقافية التي تربط بين شعبي وادي النيل وما جمعتهما من مصير مشترك وتفاعلات سياسية واجتماعية واقتصادية امتدت عبر قرون فالعلاقة بين السودان ومصر ليست مجرد علاقة بين دولتين تجاور إحداهما الأخرى وإنما هي علاقة بين شعبين تداخلت مصالحهما وتشابكت روابطهما الأسرية والاجتماعية وظلت قضاياهما تتأثر بما يجري في كل من البلدين لكن عمق هذه العلاقة لا ينبغي أن يكون سبباً للصمت عن الخطأ كما لا يجوز أن يتحول أي حادث مؤسف إلى ذريعة للنيل منها أو التشكيك في تاريخها كله فالعلاقات الراسخة لا تُبنى على المجاملات ولا تستمر بتجاهل الوقائع وإنما تقوى بالمصارحة والإنصاف واحترام كرامة الإنسان والقدرة على معالجة الخلافات بروح المسؤولية وحسن الجوار ومن هذا المنطلق فإن مقتل معدّنين سودانيين في ظروف تتصل بالتنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية المصرية يثير سؤالين لا ينبغي الخلط بينهما أولهما يتعلق بحق الدولة المصرية في حماية أراضيها وثرواتها وتطبيق قوانينها وثانيهما يتعلق بحق الإنسان في الحياة وضرورة التناسب بين المخالفة القانونية والإجراءات المتخذة لمواجهتها فإن حق الدولة في إنفاذ القانون لا يعني أن كل وسيلة تستخدمها تصبح مشروعة، كما أن مخالفة القانون لا تسقط عن الإنسان حقه في الحياة والكرامة فمن حق السلطات المصرية أن تواجه أنشطة التنقيب غير المشروع عن الذهب داخل أراضيها وأن تحمي ثرواتها الطبيعية من الاستغلال غير القانوني وأن تمنع دخول المناطق المحظورة أو العمل فيها دون تصاريح رسمية وهذه حقوق أصيلة لكل دولة ذات سيادة ولا يمكن للسودان أو غيره أن يطالب مصر بالتنازل عنها أو التغاضي عن انتهاك قوانينها والأمر نفسه ينطبق على السودان فمن حق الدولة السودانية أن تنظم عمليات التعدين والتنقيب داخل أراضيها وأن تحمي مواردها المعدنية وأن تفرض القوانين التي تكفل استغلالها بصورة مشروعة تحفظ حقوق الدولة والمجتمع فالثروات الطبيعية ليست مباحة لكل من يستطيع الوصول إليها وإنما تخضع للقوانين واللوائح التي تحدد شروط استغلالها وتراعي حقوق المجتمعات المحلية وتحفظ للدولة مواردها ومقدراتها الاقتصادية وبالتالي إذا ثبت أن المعدّنين السودانيين كانوا يمارسون التنقيب غير المشروع داخل الأراضي المصرية فإن ذلك يمثل مخالفة للقانون المصري ومن حق السلطات المختصة التعامل معها وفق الإجراءات القانونية المعمول بها ولا ينبغي أن تتحول الجنسية السودانية إلى حصانة من القانون المصري مثلما لا يجوز أن تكون الجنسية المصرية حصانة من القانون السوداني فاحترام سيادة الدول يبدأ من احترام قوانينها شريطة أن تطبق هذه القوانين بعدالة وفي إطار الضمانات القانونية والإنسانية لكن الإقرار بهذا الحق لا يعني منح السلطات تفويضاً مفتوحاً باستخدام القوة ولا يعني أن كل إجراء تتخذه أجهزة إنفاذ القانون يكون صحيحاً لمجرد أنه صدر باسم حماية السيادة فالسيادة تُحمى بالقانون وهيبة الدولة لا تُقاس بقدرتها على استخدام القوة وإنما بقدرتها على تطبيق القانون بكفاءة وعدالة ومسؤولية وإن أخطر ما يمكن أن تفضي إليه مثل هذه الحوادث هو الخلط بين مسؤولية المخالفة القانونية وحق السلطات في التعامل معها فالتنقيب غير المشروع عن الذهب إذا ثبت وقوعه يمكن مواجهته بالتحذير والمنع والقبض وفق القانون ومصادرة المعدات في الحالات التي تجيزها التشريعات وإحالة المتورطين إلى الجهات القضائية المختصة أما استخدام القوة المميتة فلا يمكن تبريره بمجرد وجود مخالفة تتعلق بالتنقيب عن الذهب ما لم تتوافر ظروف قانونية استثنائية تبرره كوجود تهديد وشيك للحياة ووفق الضوابط الصارمة المنظمة لاستخدام القوة فإن حياة الإنسان ليست تفصيلاً هامشياً في معادلة إنفاذ القانون ولا يجوز التعامل معها باعتبارها ثمناً عادياً لمخالفة اقتصادية أو تجاوز إداري ومن هنا نقول أن مقتل معدّنين سودانيين إذا ثبتت تفاصيله على النحو المتداول يستوجب تحقيقاً جاداً وشفافاً يحدد ملابسات الحادث وطبيعة التهديد الذي واجهته القوات والإجراءات التي اتخذتها ومدى تناسب القوة المستخدمة مع الموقف ولا يعني المطالبة بالتحقيق إصدار حكم مسبق على أفراد القوات المصرية كما لا يعني احترام المؤسسات المصرية إغلاق باب المساءلة فالتحقيق المستقل هو الطريق الذي يكشف الحقيقة ويحدد المسؤوليات ويمنع تكرار الحوادث ويحفظ حقوق الضحايا وأسرهم وإذا كانت السلطات المصرية قد أعلنت كما ورد في الروايات المتداولة عن تحركات لمواجهة التنقيب غير المشروع واستخدمت مكبرات الصوت والمنشورات التحذيرية لتنبيه المعدّنين إلى ضرورة مغادرة المناطق المعنية فإن هذه الإجراءات متى ثبتت تفاصيلها تمثل وسائل إنذار يمكن أن تساعد على منع المخالفات وحماية الأرواح لكن مجرد صدور التحذيرات لا يحسم وحده مشروعية كل ما وقع بعد ذلك ولا يغني عن التحقق من ملابسات الحادث فالسؤال الأساسي يظل قائماً هل استُخدمت القوة في حدود الضرورة والتناسب أم تجاوزت ما يقتضيه الموقف؟ وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحاً إذا كان الهدف منع التنقيب غير المشروع فإن الأولوية يجب أن تكون لإخراج المخالفين من المنطقة وضبطهم عند الاقتضاء، وإحالتهم إلى القانون لا تعريض حياتهم للخطر دون ضرورة تبرر ذلك إن الخطأ القانوني يُواجه بالقانون ولا يتحول إلى حكم بالإعدام خارج القضاء فهل أخطأ المعدّنون السودانيون؟ هذا سؤال مشروع ولا ينبغي الهروب منه بدافع العاطفة أو الرغبة في الدفاع عن أبناء الوطن إذا كان المعدّنون السودانيون قد دخلوا الأراضي المصرية ومارسوا التنقيب عن الذهب دون تصريح فإنهم يكونون قد خالفوا القانون المصري ويتحملون المسؤولية القانونية عن أفعالهم وفق ما تثبته التحقيقات والمحاكم المختصة وإذا كانوا يعلمون أن المنطقة محظورة أو أن نشاطهم غير مشروع فإن ذلك يضيف إلى مسؤوليتهم عن قرار المخاطرة بالدخول إلى منطقة لا يسمح فيها بالتنقيب لكن قبل الجزم بهذه المسؤولية يجب التحقق من الموقع الدقيق الذي وقع فيه الحادث ومن ظروف وجود المعدّنين فيه ومن طبيعة نشاطهم ومن مدى علمهم بالقيود المفروضة على المنطقة فالحدود الجغرافية ليست مسألة تقديرية كما أن تحديد موقع الحادث يتطلب أدلة وخرائط وإحداثيات ومعلومات رسمية لا مجرد روايات متداولة وإذا ثبت أن الواقعة حدثت داخل الأراضي المصرية فلا بد من الاعتراف بحق مصر في فرض قوانينها على أراضيها أما إذا ظهرت معطيات مختلفة بشأن موقع الحادث أو ملابساته فينبغي أن تنعكس تلك المعطيات على التقييم القانوني والسياسي وفي جميع الأحوال فإن الاعتراف بخطأ المعدّنين إن ثبت لا يلغي مسؤولية الجهات المنفذة للقانون عن الالتزام بالضوابط القانونية والإنسانية فالمعادلة ليست إما إدانة المعدّنين وإما إدانة السلطات وكأن الإقرار بمسؤولية أحد الطرفين يمنع مساءلة الآخر قد يكون هناك خطأ من المعدّنين وقد يكون هناك تجاوز في طريقة التعامل معهم ولكل واقعة ظروفها التي يجب أن تكشفها التحقيقات وهذا هو جوهر الإنصاف أن نرفض مخالفة القانون ونرفض في الوقت نفسه أي استخدام غير مشروع أو غير متناسب للقوة ولا يمكن تناول قضية المعدّنين السودانيين بمعزل عن واقع التعدين الأهلي والبحث عن الذهب في السودان والمنطقة ففي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير من السودانيين أصبح الذهب بالنسبة إلى بعض المواطنين فرصة للبحث عن مصدر دخل أو محاولة للخروج من دائرة الفقر والبطالة وقد دفعت هذه الظروف أشخاصاً إلى المخاطرة بحياتهم والتنقل لمسافات بعيدة، والعمل في مناطق صحراوية قاسية أملاً في العثور على كميات من المعدن النفيس تغير أوضاعهم المعيشية لكن الحاجة الاقتصادية مهما بلغت قسوتها لا تجعل مخالفة القوانين أمراً مشروعاً ولا تلغي مخاطر التنقيب العشوائي على حياة العاملين والبيئة والاقتصاد الوطني والتنقيب خارج الأطر القانونية قد يعرّض الأفراد للاعتقال والملاحقة ويقود إلى النزاعات الحدودية ويجعل العاملين فيه عرضة للاستغلال من شبكات غير مشروعة فضلاً عن مخاطر العطش والضياع والحوادث داخل الصحارى ومن هنا فإن معالجة القضية لا ينبغي أن تقتصر على إدانة المعدّنين أو مطالبة السلطات بملاحقتهم بل يجب أن تمتد إلى تنظيم التعدين الأهلي داخل السودان وتوسيع فرص العمل المشروع وتعزيز التوعية بمخاطر تجاوز الحدود وتطوير آليات التعاون بين البلدين لمواجهة الأنشطة غير القانونية في المناطق الحدودية وقد تختلف القوانين المنظمة للتعدين من دولة إلى أخرى كما تختلف السياسات المتعلقة بالتعدين الأهلي لكن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم التعامل مع هذه القضية هو أن الموارد الطبيعية تُستغل في إطار القانون وأن حماية الثروات لا تتعارض مع حماية الأرواح وإن العلاقة بين السودان ومصر أعمق من أن تختزل في حادث واحد مهما بلغت خطورته وأقوى من أن تهدمها حملات الغضب أو محاولات الاستثمار السياسي والإعلامي في معاناة الناس لقد ربطت بين الشعبين الجغرافيا والتاريخ والنيل واللغة والثقافة والتجارة والمصاهرة وظلت حركة الأفراد والعائلات بين البلدين مظهراً من مظاهر هذه العلاقة الممتدة ولم تكن الروابط بينهما حكراً على الحكومات أو المؤسسات الرسمية بل ظلت حاضرة في العلاقات اليومية بين المواطنين وفي حياة الأسر التي تجمعها صلات القرابة وفي الطلاب والعمال والتجار والمرضى والباحثين عن الأمان أو فرص الحياة الأفضل ومن الشواهد المهمة على ذلك وجود ملايين السودانيين في مصر خلال مراحل مختلفة ولا سيما منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، حين اتجهت أعداد كبيرة من السودانيين إلى الأراضي المصرية بحثاً عن الأمان والاستقرار وقد وجد كثيرون في مصر مساحة للإقامة ومواصلة الدراسة والعمل والعلاج واستفادت أسر سودانية من الروابط الاجتماعية والتاريخية التي جعلت الانتقال إليها خياراً طبيعياً في أوقات الشدة ولا يعني ذلك أن كل السودانيين في مصر لم يواجهوا صعوبات أو أن كل السياسات والإجراءات خلت من المشكلات فمن الإنصاف الاعتراف بأن تجارب الناس تختلف وأن قضايا الإقامة والتعليم والعلاج والمعيشة تستحق المعالجة المستمرة لكن الإنصاف يقتضي أيضاً عدم تجاهل ما يمثله وجود السودانيين في مصر من دليل على استمرار الروابط الشعبية وعلى أهمية الحفاظ على مساحة التعايش والتعاون بين البلدين إن هذه العلاقة لا تعني إعفاء أي طرف من المسؤولية وإنما تفرض على الطرفين واجباً أكبر في إدارة الخلافات بحكمة وحماية المواطنين وتجنب الخطاب الذي يحوّل حادثاً محدداً إلى خصومة شاملة بين شعبين ومن المحطات التاريخية التي تستحق الاستحضار عند الحديث عن العلاقات بين البلدين موقف السودان من حرب أكتوبر 1973م حين جاءت المشاركة السودانية في سياق التضامن العربي مع مصر في مواجهة إسرائيل فقد شهدت تلك المرحلة أشكالاً من الدعم والتعاون العسكري واللوجستي السوداني لمصر في إطار العلاقات العربية التي تشكلت بعد حرب يونيو 1967م وما أعقبها من جهود لاستعادة الأراضي العربية المحتلة وتعزيز القدرات العسكرية وتشير روايات تاريخية إلى وجود قوات سودانية في مصر خلال الفترة التي أعقبت حرب يونيو 1967م وإلى استمرار بعض أوجه التعاون والتنسيق خلال السنوات التالية في سياق دعم الجبهة المصرية والمساهمة في متطلبات الدفاع كما تُذكر في روايات عن المشاركة السودانية وحدات عسكرية من بينها كتائب من شندي وعطبرة تحركت بمعداتها وآلياتها للمشاركة في جهود المساندة وتورد بعض الروايات أدواراً لهذه القوات في خطوط القتال ودعم العبور والمشاركة في تأمين مواقع على الجبهة المصرية بما في ذلك منطقة القنطرة فضلاً عن مهام مرتبطة بتأمين الجبهة الداخلية وطريق السويس لكن المعنى الأساسي الذي ينبغي أن يبقى حاضراً هو أن السودان لم يكن بعيداً عن محيطه العربي والأفريقي وأن العلاقات بينه وبين مصر شهدت محطات من التعاون والتضامن في لحظات تاريخية بالغة الأهمية واستدعاء هذه الذاكرة لا يعني أن على السودان أن يصمت عن أي تجاوز يقع على مواطنيه اليوم ولا أن على مصر أن تتعامل مع القضايا الراهنة بمنطق الديون التاريخية. فالعلاقات بين الدول لا تقوم على المقايضة بين المواقف السابقة والحقوق الحالية وإنما على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة إن تاريخ التضامن ينبغي أن يكون دافعاً إلى مزيد من التعاون، لا ذريعة لتبرير الخطأ أو المطالبة بالصمت عنه ولا يمكن فصل العلاقات السودانية المصرية عن الحرب التي يعيشها السودان منذ أبريل 2023 وما أحدثته من تداعيات إنسانية وأمنية واقتصادية واسعة فاستقرار السودان يمثل مصلحة مباشرة لمصر بحكم الجوار الجغرافي والروابط الاجتماعية وبحكم ما يترتب على استمرار الحرب من موجات نزوح وضغوط اقتصادية ومخاطر أمنية فضلاً عن انعكاساتها على حركة التجارة والحدود والأمن الإقليمي كما أن السودان يحتاج إلى علاقات مستقرة مع جيرانه وفي مقدمتهم مصر من أجل دعم جهود استعادة السلام وإعادة بناء مؤسساته وتخفيف معاناة المواطنين وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم متى توافرت شروط الأمان وقد أعلنت مصر في مناسبات مختلفة مواقف تتعلق بوحدة السودان وسلامة أراضيه وضرورة التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة وينبغي تقييم المواقف الرسمية استناداً إلى البيانات والقرارات والتحركات الفعلية لا إلى الانطباعات أو الاتهامات المتداولة وحدها وفي المقابل فإن من حق السودانيين أن ينتظروا من مصر بحكم خصوصية العلاقة بين البلدين أن تواصل دعمها لما يحفظ وحدة السودان وسيادته وأن تتعامل مع قضايا السودانيين المقيمين على أراضيها بما يراعي القانون والاعتبارات الإنسانية وهنا تتجلى المصالح المشتركة بوضوح مصر تحتاج إلى سودان مستقر وآمن والسودان يحتاج إلى علاقة متوازنة مع مصر تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون لا على التوتر والمزايدات ولا يخدم أيّاً من البلدين أن تتحول الحوادث الحدودية أو الخلافات الفردية إلى أزمة سياسية وإعلامية واسعة أو أن يُترك المجال لخطابات الكراهية لتصنع فجوة بين شعبين تربطهما مصالح استراتيجية طويلة الأمد ففي كل أزمة بين دولتين تربطهما علاقات تاريخية تظهر أصوات تسعى إلى توسيع نطاق الخلاف وتحويل الحادث المحدود إلى مواجهة شاملة وتقديم كل واقعة باعتبارها دليلاً على عداء متأصل بين الشعوب وقد تستغل بعض الجهات السياسية أو الإعلامية مقتل مواطنين أو وقوع تجاوزات لتغذية مشاعر الغضب والكراهية من دون اهتمام حقيقي بكشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا أو منع تكرار الحوادث لكن من الضروري هنا ألا نقع في خطأ مقابل فنصف كل منتقد للعلاقات المصرية السودانية بأنه صاحب أجندة أو نعتبر كل مطالبة بالتحقيق محاولة لضرب البلدين فالنقد المشروع حق والمطالبة بالعدالة ليست خيانة والاحتجاج على مقتل مواطنين لا يعني بالضرورة العداء لمصر أو لشعبها فالمعيار الحقيقي هو طبيعة الخطاب وأهدافه هل يسعى إلى كشف الوقائع ومحاسبة المسؤولين وحماية الأرواح أم يسعى إلى تعميم الاتهام وإشعال الكراهية بين شعبين؟ إن الذين يريدون تحويل الحادث إلى صراع بين المصريين والسودانيين ينبغي أن يدركوا أن الطرفين هما الخاسران من أي قطيعة أو توتر طويل الأمد فالشعوب لا تجني من العداء سوى المزيد من الخسائر بينما تستفيد الأطراف التي تراهن على الانقسام وإضعاف التعاون الإقليمي ومن هنا فإن المسؤولية تقع على الإعلاميين والسياسيين والناشطين في البلدين كي يميزوا بين المطالبة بالعدالة والتحريض وبين النقد المسؤول والتعميم وبين الدفاع عن كرامة المواطنين ومحاولة إشعال خصومة شعبية ليس مطلوباً من السوداني أن يصمت عن مقتل أبناء وطنه حتى يثبت محبته لمصر وليس مطلوباً من المصري أن يتخلى عن حق بلاده في حماية مواردها حتى يثبت تضامنه مع السودان المطلوب أن ينتصر الطرفان للقانون والعدالة والعقل إن تجاوز هذه الأزمة لا يكون بتبادل الاتهامات ولا بالاكتفاء ببيانات التهدئة وإنما باتخاذ خطوات عملية تعالج الحادث وتحول دون تكراره.

أولاً ينبغي إجراء تحقيق شفاف في ملابسات مقتل المعدّنين السودانيين وتحديد موقع الحادث وظروفه وطبيعة المخالفة المنسوبة إليهم ومدى تناسب الإجراءات المستخدمة مع الموقف.

ثانياً من المهم إطلاع أسر الضحايا والجهات السودانية المختصة على المعلومات المتاحة بشأن الحادث بما يضمن احترام حقوق الضحايا وحق ذويهم في معرفة الحقيقة

ثالثاً ينبغي تعزيز التنسيق بين السلطات السودانية والمصرية في المناطق الحدودية وتبادل المعلومات المتعلقة بمناطق التعدين المحظورة وطرق التنقل، والمخاطر التي قد يتعرض لها المعدّنون.

رابعاً من الضروري إطلاق حملات توعية موجهة للمواطنين السودانيين خصوصاً العاملين في التعدين الأهلي لتوضيح مخاطر عبور الحدود أو ممارسة أنشطة غير مرخصة داخل أراضي الدول المجاورة مع توفير المعلومات الرسمية عن المناطق المسموح بها والمحظورة

خامساً ينبغي دعم تنظيم التعدين الأهلي داخل السودان وتحسين شروط العمل فيه، وتوسيع فرص النشاط الاقتصادي المشروع حتى لا يضطر المواطنون إلى المخاطرة بحياتهم في مناطق صحراوية أو حدودية بحثاً عن الذهب

سادساً على المؤسسات الإعلامية في البلدين أن تتحمل مسؤوليتها في نقل المعلومات الموثوقة وتجنب نشر الأخبار غير المؤكدة والامتناع عن تعميم المسؤولية على الشعوب أو إثارة النعرات الوطنية وأخيراً ينبغي أن تظل قنوات الاتصال الدبلوماسي والأمني مفتوحة لمعالجة أي خلاف، وأن يُنظر إلى الحوادث الحدودية بوصفها قضايا تستلزم التحقيق والتنسيق لا مناسبة لتفكيك علاقات تاريخية واستراتيجية.

والخلاصة لا للقتل.. نعم للقانون.. ولا للمزايدة إن موقفنا من حادثة مقتل المعدّنين السودانيين يجب أن يكون واضحاً ومتوازناً: نعم من حق مصر حماية أراضيها وثرواتها وتطبيق قوانينها. ونعم، إذا ثبت أن المعدّنين مارسوا نشاطاً غير مشروع داخل الأراضي المصرية، فعليهم تحمل المسؤولية القانونية عن ذلك. لكن لا، ليس من المقبول أن يُستخدم هذا الخطأ لتبرير أي قوة مفرطة أو قتل لا تسوغه الضرورة والقانون وفي الوقت نفسه لا يجوز أن تتحول الحادثة إلى حكم شامل على الشعب المصري أو إلى وسيلة للنيل من العلاقات بين البلدين و إلى إنكار للمواقف التاريخية التي جمعت السودان ومصر في محطات مختلفة لقد وقف السودان إلى جانب مصر في محطات من تاريخها، ومنها حرب أكتوبر 1973 كما احتضنت مصر أعداداً كبيرة من السودانيين في ظروف مختلفة ولا سيما في سنوات الحرب الراهنة. وهذه حقائق ينبغي أن تُقرأ في سياقها التاريخي والإنساني من دون مبالغة أو إنكار ومن دون تحويلها إلى حسابات تمنح أي طرف حقاً في الصمت عن الظلم فالعلاقات بين الشعوب لا تعني أن يتنازل أحدها عن كرامته ولا أن يسكت عن مقتل أبنائه بل تعني أن تكون لديه الثقة الكافية للمطالبة بالحق من دون أن يتخلى عن الإنصاف وأن يرفض الخطأ من دون أن يتحول إلى عدو لشعب بأكمله إن مصلحة السودان ومصر تقتضي أن تكون الحدود جسوراً للتعاون لا مصائد للموت وأن يكون القانون وسيلة لحماية الأرواح والحقوق لا غطاءً لأي تجاوز وأن تبقى العلاقات الشعبية أقوى من حملات التحريض وأوسع من خلافات السياسة نريد علاقات سودانية مصرية قوية ولكن القوة الحقيقية لهذه العلاقات لا تُقاس بالصمت عن الأخطاء وإنما بالقدرة على الاعتراف بها ومعالجتها نريد احترام سيادة مصر كما نريد احترام حياة السودانيين وكرامتهم ونريد تعاوناً يحمي مصالح البلدين وعدالة تمنع تكرار المآسيووخطاباً مسؤولاً يرفض القتل كما يرفض الكراهية والمزايدة فلا تبرير للقتل، ولا حصانة لمخالفة القانون ولا مجال للمزايدة على العلاقات بين شعبين جمعهما التاريخ والجوار والمصالح المشتركة والحكمة اليوم تقتضي أن ننتصر للحقيقة والعدالة، وأن نحمي هذه العلاقة من الخطأ ومن استغلال الخطأ معاً