ضل الحراز
بقلم علي منصور حسب الله
في خضم الفوضى والتحوّلات العنيفة التي يشهدها السودان تتكشّف يوماً بعد يوم طبقات الزيف التي تحاول ميليشيا الدعم السريع تسويقها لتجميل واقعها القاتم وتزييف حقيقة وجودها العسكري في المناطق الاستراتيجية وعلى رأسها منطقة الزرق بولاية شمال دارفور فقد تحوّلت هذه المنطقة من موقع ناءٍ مغمور إلى واحدة من أكثر القواعد العسكرية تحصيناً وتأثيراً في شمال غرب السودان وهو ما لم يعد سراً حتى بالنسبة لأكثر المتابعين سطحية وبينما تستمر بعض الجهات في الحديث عن الزرق كـ(منطقة سكنية) و(قرية مأهولة بالبسطاء) تتضح الحقيقة المرة من وراء هذا الغطاء الإنساني المزعوم فالزرق منذ عام 2017 لم تعد سوى قاعدة عسكرية متقدمة لميليشيا الدعم السريع جُهّزت لتكون مركزاً لوجستياً وإمدادياً يضم مستودعات ضخمة للأسلحة الثقيلة والآليات المدرعة بالإضافة إلى مهابط للطائرات المسيّرة لتصبح بذلك واحدة من أهم النقاط العسكرية في شمال دارفور والمثلث الحدودي مع ليبيا
زيارة قائد الميليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى هذه القاعدة في يوليو 2022 لم تكن زيارة عادية بل كانت عرضًا للقوة ورسالة واضحة للداخل والخارج ظهرت خلالها آليات عسكرية يعتقد محللون ومصادر عسكرية أنها تابعة لسلاح المدرعات بالجيش السوداني مما يعزز الطابع العسكري العميق للزرق ويفضح مزاعم (المدنية) و(الخدمات) التي يحاول أبواق الدعم السريع تسويقها كانت مقدمة لتغيير ديمغرافي للمنطقة
تحت شعارات خادعة مثل (إعادة التوطين) و(توفير الخدمات) بدأت الميليشيا في نقل مجموعات من الرزيقات الأبالة إلى منطقة الزرق بعد تهجير السكان الأصليين ضمن سياسة واضحة لـ(الهندسة الديمغرافية) تهدف إلى فرض سيطرتها على المنطقة عبر التغيير السكاني القسري وهو ما واجهه رفض قوي من قادة المحاميد وعلى رأسهم الشيخ موسى هلال الذي أصدر بيانات رسمية في عامي 2017 و2022 عبّر فيها عن رفضه المطلق لتحويل الزرق إلى منطقة تابعة لقبيلة لا تمتلك تاريخًا أو جذورًا فيها والمفارقة الصارخة تمثّلت في نقل عمودية عائلة حميدتي من منطقة (دوقي) (أم القرى حاليًا) إلى الزرق بعد أن تم تغيير اسمها وإحلال سكان جدد فيها هذه الخطوة غير المسبوقة تعكس حجم الاستغلال الإداري والسياسي لمواقع السلطة والنفوذ وتحويل الرمزية القبلية إلى أداة في خدمة مشروع الميليشيا لا المجتمع بذلك صار جمعة دقلو موسى العمدة المعزول والسابق لأم القرى عمدة للزرق لكن الأخطر من ذلك أن الزرق ليست مجرد نقطة تموضع على الخريطة بل تحوّلت إلى منصة انطلاق للطائرات المسيّرة التي تنفذ عمليات قصف ممنهجة استهدفت أحياء سكنية في الفاشر ومناطق أخرى أسفرت عن سقوط عشرات الشهداء من المدنيين بينهم أطفال ونساء في واحدة من أبشع صور استخدام القوة العسكرية ضد المواطنين ففي أبريل 2025 ارتكبت ميليشيا الدعم السريع مجزرة بشعة في معسكر زمزم للنازحين الذي يأوي أكثر من نصف مليون نازح منذ عام 2004 قُتل خلالها ما يزيد عن 1500 شخص وتعرّض المعسكر لعمليات نهب واختطاف وترهيب واسعة ورغم هول هذه الجريمة لم تتحرك أبواق الميليشيا التي تبكي (زرق المأهولة) بل استمرت في إنكار الحقائق وتضليل الرأي العام وفي مشهد يُلخّص بؤس الوضع في دارفور تعرّض حي الدرجة الأولى بمدينة الفاشر لقصف بطائرات مسيّرة أثناء صلاة الفجر ما أسفر عن استشهاد أكثر من 75 شخصاً دُفن بعضهم في باحات المساجد بسبب استحالة الوصول إلى المقابر نتيجة الحصار الجوي والقصف المستمر
هذا الواقع المأساوي يكشف أن ما تروّجه ميليشيا الدعم السريع عن (اهتمامها بالمدنيين) ليس سوى بروباغندا مفضوحة ومحاولة بائسة لتلميع صورتها دوليًا في الوقت الذي تستخدم فيه قواعدها العسكرية وعلى رأسها الزرق في تنفيذ عمليات ممنهجة للقتل والتدمير ولا يمكن الحديث عن الزرق بمعزل عن موقعها الجيوسياسي الحساس فبجانب قربها من الحدود الليبية تمثّل الزرق حلقة وصل بين ميليشيات مسلحة ومجموعات مرتزقة وشبكات دولية مثل شركة فاغنر الروسية التي تؤدي دورًا في الصراعات الدائرة في ليبيا وغرب أفريقيا وهذا ما يجعل من الزرق نقطة ارتكاز استراتيجية في الصراعات الإقليمية والدولية تتجاوز بكثير ما يُراد لها أن تُصوَّر به كـ(منطقة زراعية) أو (مستوطنة بسيطة) وفي ظل هذا التعقيد السياسي والعسكري، لا بد للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أن تُفرّق بين الحقيقة والتضليل وأن تُدرك أن الزرق لم تعد سوى رمزٍ لعسكرة الإقليم وانطلاقًا منها تُنتهك القوانين الدولية والإنسانية يومياً.
فإن تزييف الحقائق وتغطية الممارسات الوحشية بستار إنساني أو قبلي لن يُغيّر من واقع الأمور شيئًا فالمجازر التي تُرتكب ضد المدنيين والقصف العشوائي للأحياء والسياسات التهجيرية كلها تؤكد أن ما يحدث في دارفور ليس سوى استمرار لمأساة عمرها عقود تتجدد اليوم بأدوات جديدة وفاعلين قدامي بإسم جديد وشعارات جديدة وحلفاء جدد منهم الداخلي والخارجي لكن بذات العقلية التي تُقدّم الحرب على السلام والقوة على العدالة والزيف على الحقيقة

