منتخب السودان حين يصير النصر ممكنًا رغم الحربعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

صقورٌ تُحلّق فوق الركام

 

بقلم علي منصور حسب الله

 

وسط أخبار الموت ورائحة البارود وأزيز الرصاص الذي لا يكاد يتوقف ومعاناة الناس التي باتت خبزًا يوميًا تطلّ علينا بشرى لا تشبه هذا الزمن الكالح ولا تمتّ لليأس بصلة بشرى تأتي من حيث لا يتوقع أحد… من ملاعب كرة القدم من ميادين العشب الأخضر من قلوب شبابٍ ما باعوا الوطن ولا إستسلموا للحرب ها هم صقور الجديان يرفرفون عاليًا في سماء بطولة الشان كأنهم يصيحون من فوق الركام (نحن هنا… لا تهزمنا الدبابات والصرصر ولا تخرس صوتنا الطائرات المسيّرة) ففي زمنٍ تتناثر فيه الحكايات الحزينة يكتب منتخب السودان قصة أمل لا تنتمي إلى هذا الدمار بل تصعد من بين أنقاضه كزهرةٍ بريةٍ تأبى أن تموت عاد منتخب السودان من وسط الرماد كطائر الفينيق الأسطوري الذي ينهض من رماد إحتراق جسده كرمز للتجدد والبعث والخلود وتجاوز المصاعب والعودة أقوى من ذي قبل ومن الأزمات إستعاد منتخب السودان قوته وعافيته لا يكمن تفرد النسخة الحالية من بطولة كأس أمم إفريقيا للمحليين (الشان) فقط في أنها الأولى التي تُقام بتنظيم مشترك بين ثلاث دول إفريقية (كينيا، تنزانيا، وأوغندا) بل أيضًا في كونها تجري بينما السودان غارق في واحدة من أعقد الحروب في تاريخه الحديث ورغم هذا الجحيم جاء منتخب السودان ليشارك لا كمجرد ضيف بل كمقاتل آخر في جبهة الشرف جاء الي بلاد ثوار الماو ماو ليعلم أحفادهم الشراسة والبسالة جاء صقر الجديان مثخناً بالجراح لكنه تحامل على نفسه فكانت المعجزات

تم إختيار ملعب بنيامين مكابا في دار السلام للمباراة الإفتتاحية وملعب كاساراني في نيروبي لإحتضان المباراة النهائية بينما تستضيف كمبالا (مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع) فعيون صقور الجديان هناك نيروبي في ملعب كاساراني ليكون طرفاً في المباراة النهائية

شاركت في هذه النسخة 19 منتخبًا منها عمالقة القارة السنغال (حاملة اللقب) والمغرب والكونغو الديمقراطية (لقبان لكل منهما) الجزائر ونيجيريا تم تقسيم المنتخبات إلى أربع مجموعات ثلاثٌ منها تضم خمسة فرق والرابعة وهي مجموعة السودان ضمت أربعة منتخبات ليتأهل المتصدر والوصيف من كل مجموعة إلى الدور ربع النهائي لم يشتكِ أحد… بل قاتلوا لأجل الشعار في ظل هذه الظروف القاسية لم يشتكِ شباب السودان من غياب المنافسات وضعف الإمكانيات ونزوح العائلات والملاعب التي تحولت إلى ركام لم يتذمّروا لم ينتحبوا لم يطلبوا أعذارًا ذهبوا إلى حيث تُقاتل الكبار وقالوا للعالم (نحن السودان) من لا يُراهن عليهم… يصنعون الأعاجيب في وقتٍ إنكمشت فيه المعنويات وتلاشت فيه الأحلام تحت وقع القذائف فَرش منتخبنا الوطني بساط الفخر على مائدة الوطن لم يكن أحد يراهن عليهم ولم يتوقعهم أحد على منصة التتويج لكنهم آمنوا بأنفسهم وآمنوا بالوطن فقرروا أن يكتبوا أسماءهم على جدار المجد وعلى صفحات التاريخ ولو بخيوطٍ من نار بدأوا المشوار بتعادل إيجابي مع الكونغو أحفاد الزعيم باتريس لومومبا بهدفٍ لكل فريق ثم انفجرت طاقات الصقور وأسقطوا النسور الخضراء النيجيرية برباعية لا تُنسى وواجهوا أسود التيرانغا السنغاليين فانتزعوا منهم تعادلاً مشرفًا بل أجبروهم على التراجع، وتصدروا المجموعة بـ(حمرة عين) لا تعرف الانكسار ثم جاءت المواجهة المنتظرة منتخب الجزائر أحد كبار القارة مدربهم سخر قائلًا إذا خسرنا من السودان فيجب إغلاق الأندية الرياضية في الجزائر !

لكن صقور الجديان لم يردّوا عليه في الصحفخ أو المنصات…بل قالوا كلمتهم في الميدان

انتصارٌ عنوة واقتدارًا… وعبور مستحق إلى نصف النهائي من وسط الحطام، من بين الجراح المفتوحة ومن خلف الحصار يصعد شباب السودان إلى نصف نهائي الشان خطوة واحدة فقط تفصلهم عن الحلم عن المجد عن المباراة النهائية لكن هذه الخطوة تعني لنا أكثر من مجرد إنجاز رياضي إنها صرخة وطنية في وجه اليأس يا صقور الجديان… أنتم النشيد في زمن الصمت أنتم في زمن الانكسار صوت من لا صوت له أنتم الصورة الوحيدة التي تجمع السودانيين اليوم على الفخر في وقتٍ عزّ فيه الفرح لم تطلبوا من الوطن شيئًا بل أعطيتموه كل شيء: الكرامة والعزة والأمل أنتم تُذكّروننا بأن السودان وإن تهدمت فيه الجسور والمباني فقلوب أبنائه لا تُقهر وأن شبابه حتى وإن حُرموا من أبسط مقومات الحياة يستطيعون أن يصنعوا المجد من العدم أنتم لستم مجرد فريق كرة قدم بل كتيبة نضال بزي رياضي تقاتل في معركة شرف لا ترفع فيها السلاح بل ترفع اسم السودان شكرًا كواسي أبياه ما قدمته للسودان مذهل كنت صانع النجوم في نادي الخرطوم الوطني حيث كنت الأب الروحي لجيل (التش) و(سيف تيري) وفي المنتخب الأول كنت الملهم لجيل (الغربال) و(رمضان عجب)

شكراً لك فأنت من أعاد روح جيل 1970… وأحييت أمجاد السودان.

شكرًا للاتحاد السوداني لكرة القدم بقيادة الدكتور معتصم جعفر ورفاقه شكرًا للجنة المنتخبات الوطنية ولكل من وضع لبنة في هذا البناء العظيم أنتم جميعًا شركاء في لحظة فخر ستُكتب بحروف من ذهب قد لا نُتوّج بالكأس وقد نُتوّج لكننا فزنا منذ الآن بشيء أعظم بأن في هذا الوطن شبابًا يعرفون كيف ينتصرون حتى في أكثر اللحظات ظلمةً فزنا بإيمان جديد بأن السودان لا يزال حيًّا… ما دام أبناؤه يحملون رايته بهذه العزيمة سيروا وعيون الوطن عليكم يا صقور الجديان…

فأنتم تُحلّقون فوق الركام والوطن كله يُحلّق بكم