مجزرة المزروب… حين تحوّلت الكلمة إلى تهمة تستوجب الإعدامعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

بقلم علي منصور حسب الله

 

 

 

ما حدث في منطقة المزروب بولاية شمال كردفان لم يكن مجرد اعتداء مسلح أو انفلات أمني عابر بل هو جريمة مكتملة الأركان… جريمة استهدفت صميم المجتمع حين اغتالت عمود خيمته وقلبه النابض الإدارة الأهلية.

في الوقت الذي كانت فيه قبيلة المجانين تحاول تجنيب منطقتها ويلات الحرب والتشظي والخراب وعملت إدارتها الأهلية على تهدئة الأوضاع وتغليب صوت الحكمة جاء رد مليشيا الدعم السريع صادمًا ووحشيًا وبعيدًا كل البعد عن أي منطق إنساني أو وطني فبعد أيام قليلة من حادثة دموية مؤسفة ارتكبتها المليشيا في المزروب وراح ضحيتها ما لا يقل عن ستة مواطنين أبرياء فضلاً عن نهب عدد كبير من الإبل لم تطلب الإدارة الأهلية أكثر من حق بسيط ومشروع أن تغادر المليشيا المنطقة حمايةً لأرواح المدنيين وتفاديًا لمزيد من الدماء لكن ما لم يكن في الحسبان أن يتحوّل هذا الطلب المشروع إلى حكم بالإعدام الجماعي ففي سابقة مؤلمة وصادمة أقدمت مليشيا الدعم السريع على تنفيذ مجزرة دموية بشعة استهدفت اجتماعًا للإدارة الأهلية لقبيلة المجانين في المنطقة وأسفرت عن تصفية جميع الحاضرين وعلى رأسهم ناظر عموم القبيلة الناظر سليمان جابر جمعة إلى جانب (12) من العمد والقيادات الأهلية إنها ليست مجرد جريمة اغتيال… بل رسالة رُعب وإرهاب أرادت المليشيا من خلالها أن تقول (كل من يرفض وجودنا مصيره الموت) ليست هذه الحادثة معزولة عن السياق العام لما يحدث في السودان منذ اندلاع الحرب فالإدارة الأهلية التي كانت دائمًا صمّام الأمان وجسرًا للحوار بين المجتمعات باتت مستهدفة بشكل ممنهج لأنها ببساطة تمثل سلطة مجتمعية شرعية لا تقبل الخضوع لمنطق القوة ولا تساوم على كرامة أهلها وأمنهم اغتيال الناظر سليمان جابر جمعة ليس فقط استهدافًا لرجل بل هو اغتيال لرمز وتصفية لصوت وتمزيق لضمير منطقة بأكملها كان الرجل صوت العقل في زمن الجنون وممثلًا لوجدان قبيلته ومُصرًا على أن لا تتحوّل أراضي المجانين إلى ساحة حرب أو وكرٍ للفوضى لكن يبدو أن هذا النوع من الأصوات لم يعد مرحبًا به في سودان الرصاص إن ما جرى في المزروب يعيد طرح السؤال الكبير المؤلم

من يحمي المدنيين حين تصبح المليشيا هي الحاكم والجلاد؟

بل أين الدولة؟ وأين سيادة القانون؟ ومن يردّ لهذه القبيلة ثأرها في رجالها وكبارها وشيوخها الذين تمت تصفيتهم بدم بارد؟! فعندما تتحول كلمة (غادروا مدينتنا) إلى سبب لإبادة جماعية فنحن أمام مستوى خطير من الانفلات والوحشية وانعدام الحد الأدنى من المعايير الإنسانية قبل أن نتحدث عن الوطنية وإذا كان السكوت على الجريمة هو شراكة فيها فإن الصمت الآن يعني إعطاء الضوء الأخضر للمزيد من المجازر وربما دفع باقي الإدارات الأهلية للرضوخ خوفًا من المصير ذاته سيمرّ الكثير من الوقت وقد تُنسى أسماء وتُمحى تواريخ لكن ذاكرة السودانيين وذاكرة المجتمعات المحلية لن تنسى أن في يوم ما اجتمع رجال قبيلة المجانين ليقولوا (كفى) فجاءهم الرد بـالقتل الجماعي لن تنسى دارفور وشمال كردفان هذا المشهد حين اغتيل الرجال لأنهم اختاروا الكلمة بدلًا من البندقية وطلبوا السلام فكان جزاؤهم النار ولن تنسى الأمهات والأرامل والأيتام أن ناظرهم وعمدهم وأعيانهم قُتلوا لأنهم دافعوا عن أمنهم ومجتمعهم ما جرى في المزروب يجب ألا يُعامل كخبر عابر في شريط الأخبار إنه جرس إنذار لما قد يحدث إن استمر الصمت واستمر تغوّل المليشيا على حياة الناس وأمنهم ومؤسساتهم المجتمعية وإن السكوت على دماء الرجال الذين قضوا في تلك المجزرة هو خيانة لهم، ولمنطق الدولة ولحق المجتمعات في أن تعيش بأمان ولمن لا يعرف ناظر قبيلة المجانين الراحل سليمان جابر جمعة نقول لقد كان أحد أولئك الذين حملوا همّ الناس وسعوا للسلام ورفضوا أن يكونوا شهود زور على خراب مجتمعاتهم فنالوا الشهادة وكتبوا أسماءهم في سجل الخالدين المجد للذين قاوموا بصوتهم… فاغتالتهم رصاصة الغدر.

الرحمة للشهداء والعار للقتلة