ضل الحراز
بقلم علي منصور حسب الله
تاريخ المرأة في دارفور ليس هامشًا في دفتر التاريخ السوداني بل هو عنوانٌ بارزٌ على صفحةٍ كتبتها نساءٌ من نورٍ ونار
إنها قصة متفرّدة تستحق الوقوف عندها لأنها ليست حالة اجتماعية عابرة بل بنيةٌ حضارية ضاربة الجذور في عمق السلطنة والمجتمع حيث كانت المرأة شريكةً في القرار وصاحبة كلمة وصوتًا مسموعًا في مجلس الحكم منذ فجر سلطنة دارفور كانت المرأة تُعامل بوصفها ركنًا من أركان الدولة لها ثروتها المستقلة ورأيها المستقل ومكانتها المحفوظة في نظام اجتماعي عرف قيمة العقل والعدل أكثر من كثيرٍ من الأنظمة الحديثة
في بلاط السلطان وُجدت (الإيا باسي) أي الأخت العظيمة للسلطان بجيشها الخاص ورايتها المرفوعة وصهيلها الذي يسبق صوت الطبول
كانت تظهر يوم العرضة تمتطي فرسها كفرسان الرجال يحييها الناس إجلالًا ويحترمها الأمراء إجماعًا فهي الأخت والمستشارة والراعية والمُلهِمة تُسهم في القرار وتُدير شؤون الناس وتملك حقّ الرفض والمساءلة ومن بين تلك القامات خلد التاريخ أسماء نساءٍ نادرات المثيل كالميرم تاجه بنت زكريا بن محمد الفضل أخت السلطان علي دينار التي كان يُستشار رأيها في القضايا الكبرى
والإيا باسي زمزم بنت السلطان محمد الفضل عمة السلطان علي دينار التي كان نفوذها يمتد إلى ميدان السياسة والمجتمع هؤلاء النساء لم يكنّ مجرد نساء بلاط بل أعمدة دولةٍ وركائز سلطانٍ ذلك التاريخ لم ينتهِ بانتهاء السلطنة ولم يُدفن تحت رمال دارفور
بل ظلَّ حيًّا في ذاكرة نساء الإقليم في الريف والمدينة في البيت والميدان في المنابر والمدارس وظلّت المرأة الدارفورية تحمل إرث (الإيا باسي) في صوتها في نظرتها في كرامتها التي لا تُشترى امرأةٌ تحمل من الكبرياء ما يجعلها تقف في وجه الريح ولا تنحني تعرف معنى الكلمة وتدرك أن الأرض لا يحرسها إلا من يؤمن بها ومن رحم هذا التاريخ الطويل ولدت آسيا الخليفة قبَّلة الرقيب أول والمراسلة الحربية ابنة دارفور ووارثة مجد الميارم
لم تكن آسيا امرأة عادية كانت صدى التاريخ وحضور الحاضر ووعد المستقبل
حين اشتعلت الحرب، لم تهرب آسيا من الخطر بل سعت إليه كما يسعى الضوء إلى الظلام
اختارت الميدان هي واخواتها نعيمة ودكتورة هنادي وعائشة كلاش وغيرهن حيث الرصاص يزأر والموت يتربّص لتكون آسيا الخليفة هي صوت الحقيقة في زمن الزيف كانت تُطلّ على الناس بصوتها الهادئ الثابت تحمل المايكروفون كمن يحمل راية الوطن وتبثّ في النفوس الطمأنينة حين ينهار كل شيء كانت آسيا تحمل الكاميرا كما كان الميارم يحملن السيوف وتدافع عن الأرض بالكلمة كما كانت جدّاتها يدافعن عنها بالرمح كما أخواتها يحملن الكلاشنكوف كانت تعلم أن الإعلام في زمن الحرب ليس مهنة بل جبهة وأن الكلمة الصادقة تُخيف الجلاد أكثر من الرصاص لذا كانت على الدوام مقاتلة بلا بندقية وجندية بلا خوذة وشاهدة بلا خوف
وحين باغتها الموت لم تسقط آسيا وحدها بل سقط معها ضمير وطنٍ كان بحاجةٍ لصوتٍ مثل صوتها رصاص الغدر الذي أودى بحياتها لم يُسكت الكلمة بل منحها الخلود فالصورة التي تُوثِّق والصوت الذي يشهد لا يموتان هي اليوم تتحدث من وراء الصمت تُخاطبنا جميعًا (لا تجعلوا دماءنا حبرًا في الأخبار… بل عهدًا على الوفاء) أيُّ خزيٍ هذا حين يسترجل الجبناء أمام النساء؟ أيُّ عارٍ أن تُوجَّه فوهة بندقيةٍ نحو امرأةٍ تحمل كاميرا لا سلاحًا؟
يا للخيبة ويا للعار!
لقد ظنّ القتلة أنهم باغتوا امرأة ولم يعلموا أنهم أطلقوا النار على ذاكرة أمة على نخلة من نخلات بلادي آسيا لم تكن فقط مراسلة ميدانية كانت ضمير الناس وصوتهم في المحنة ومثالًا لما يمكن أن تكون عليه المرأة حين تضع الوطن قبل الذات
في كل تقريرٍ ميداني كانت تبثه كانت تُعيد تعريف معنى البطولة وتُذكّرنا أن الشجاعة ليست حكرًا على الرجال وأن الوطنية لا تُقاس بالبزّة العسكرية بل بصدق القلب كانت آسيا تملك تلك الموهبة النادرة في أن تجمع بين الحزم والحنان بين الصمود والعذوبة لا غرو إنها شاعرة مجيدة وإعلامية قديرة كانت حين تتحدث تمنحك الأمل وتذكّرك بأن الوطن ما زال بخير ما دام فيه من يقول (لا) بصدقٍ وإيمان كانت مرآةً لكل امرأةٍ سودانيةٍ صلبةٍ مؤمنةٍ واقفةٍ في وجه العاصفة نعم كانت آسيا إيا باسي القرن الحادي والعشرين لم تحمل السيف الذهبي لكنها حملت ضوء الحقيقة
لم تمتطِ الفرس المزخرف لكنها امتطت موجات الأثير لتصل إلى قلوب الناس كانت عظيمة كجدّاتها نبيلة كقضيتها ووفية كالأرض التي أنجبتها وكانت كأخواتها شجاعة ومقدامة ولأن التاريخ لا ينسى سيكتب اسمها بين نساء السودان العظيمات اللواتي صنعن المجد بأيديهنّ سيذكرها الناس كما يذكرون الميرم تاجه وزمزم وسيقولون (كانت آسيا قبّلة من نسل الإيا باسي سقطت جسدًا وبقيت راية) سلامٌ على آسيا الخليفة قبّلة
سلامٌ على وجهها الذي كان يضيء وسط الدخان
وسلامٌ على روحها التي حلّقت فوق ركام المدن لتقول (الوطن باقٍ، والحق لا يموت) سلامٌ على آسيا التي صارت في ذاكرة السودان رمزًا للشجاعة والإباء
سلامٌ على كل امرأةٍ سودانيةٍ تشبهها في العزم والإصرار سلامٌ على آسيا الميرم الحديثة الإيا باسي الجديدة التي علمتنا أن صوت الحقيقة لا يُقتل وأن الكرامة لا تموت

