التخبط الإداري والوجوه المشبوهة في مفاصل الدولةعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

بقلم علي منصور حسب الله

 

 

في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها السودان تتكاثر التساؤلات حول كيفية إدارة الدولة ومدى تأثير العقلية السياسية المسيطرة على مفاصلها في الأداء الحكومي سواء على مستوى الترتيبات الإدارية أو صناعة القرار السياسي ويبدو جليًا أن السمة الغالبة على المشهد العام هي الارتباك والتخبط في وقت كانت فيه البلاد بأمسّ الحاجة إلى قرارات حاسمة ومسؤولة تُسهم في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي وتزداد خطورة هذا التخبط في ظل الحرب الدائرة حاليًا والتي كان من المفترض أن تمثل فرصة تاريخية لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتصحيح المسار وتعزيز مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية تضمن السلام والاستقرار والتنمية الشاملة لا أن تتحول إلى نافذة لإعادة تدوير ذات العقليات والأشخاص المرتبطين بأجندات معطِّلة وتأتي إستقالة دكتور علي عبد الرحمن رباح كنموذج كاشف لاختلالات عميقة تحت السطح فخلال اليومين الماضيين ضجّت منصات الإعلام بخبر استقالته من منصبه كعميد لشؤون الشئون العلمية بجامعة الخرطوم وهو حدث كشف جانبًا مهمًا من العقلية التي تدير مؤسسات الدولة وأبرز حجم التناقض في الرؤى والقرارات داخل الجهاز التنفيذي فقد أرجع الدكتور رباح استقالته إلى ما وصفه بوجود فساد وتلاعب في الشهادات الجامعية وهي اتهامات خطيرة تمس صميم العملية التعليمية وسمعة التعليم العالي في السودان غير أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وفي بيان رسمي فندت تلك الادعاءات جملةً وتفصيلًا وقدمت رواية مغايرة تمامًا لما أورده الدكتور المستقيل وحاء رد وزارة التعليم العالي نافيّا الاتهامات موضحّا الحقائق وأكدت الوزارة أنها تابعت ما ورد في استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم وما تضمنته من ادعاءات مشددة على التزامها الكامل بالشفافية ومبينة جملة من الحقائق أبرزها وان حماية البيانات مسؤولية سيادية حيث أوضحت الوزارة أنها قامت بتأمين بيانات الطلاب والخريجين عبر النظام المركزي للقبول وتزويد الجامعات بالشهادات الموثقة لا سيما بعد تعرض عدد من المؤسسات التعليمية للتخريب بواسطة مليشيا الدعم السريع ونفت ادعاءات الاختراق نفت الوزارة بشكل قاطع أي اختراق لبيانات الطلاب مؤكدة أنها لا تزود بالبيانات إلا المؤسسات الرسمية عبر آليات موثوقة ومحمية واشارت إلي ان سبب الاستقالة الحقيقي أن أمين الشؤون العلمية جاءت نتيجة رفضه تضمين بيانات الخريجين في قاعدة البيانات المركزية قبل اندلاع الحرب وحول توثيق الشهادات الأكاديمية أكدت الوزارة أنها رفضت طلبًا لتوثيق شهادات دون تضمين التقديرات الأكاديمية حفاظًا على مصداقية الشهادات السودانية اما بخصوص معايير الرقمنة والأمان شددت على ضرورة الالتزام بالمعايير الرقمية المؤمنة ورفضت الشهادات الإلكترونية غير المحمية وألزمت الجامعات بإصدار شهادات موقعة ومختومة يدويًا ابتداءً من يناير 2026

وحول السيادة على البيانات الأكاديمية أكدت أن المنصة الوطنية للتحقق من الشهادات هي الجهة الوحيدة المعتمدة وأن التعامل يقتصر على المؤسسات الحكومية دون شركات خاصة

هذا التناقض الحاد بين رواية الوزارة وما أورده الدكتور رباح يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتجاوز حدود الخلاف الإداري وتمس طبيعة الأشخاص الذين تم تمكينهم في مواقع حساسة خلال فترات سياسية مضطربة

توقيت التعيين والسياق السياسي المريب بالنظر إلى توقيت تعيين الدكتور علي عبد الرحمن رباح في هذا المنصب الحساس إذ هو مسؤول عن متابعة الأداء الأكاديمي للطلاب وهيئات التدريس وإدارة شؤون الدراسات العليا وتنظيم الأنشطة العلمية والمؤتمرات بالإضافة إلى إدارة الجداول الدراسية والامتحانات وتطوير الكادر التعليمي لضمان جودة التعليم وتم تعينه في ديسمبر عام 2020 وهي فترة اتسمت بتغلغل أصحاب الأجندات السياسية المتعددة داخل مؤسسات الدولة بعضها كان مرتبطًا بشكل مباشر بمليشيا الدعم السريع وبعضها الآخر منضوٍ تحت مكونات قوى الحرية والتغيير التي بات واضحًا دعم قطاعات منها للمليشيا تحت شعارات زائفة مثل (الحياد) و(لا للحرب)

ويزداد هذا السياق خطورة في ظل الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق الشعب السوداني ومنها مجزرة روضة نبع الحنان في كالوقي التي راح ضحيتها (83) طفلًا جراء هجوم بالطائرات المسيرة إضافة إلى جرائم قتل النساء بالتعذيب والتعليق على جذوع الأشجار وهي وقائع لا يمكن تجاوزها أخلاقيًا أو سياسيًا وما يثير الريبة أكثر هو أن الدكتور رباح كان قد رُشّح لتولي منصب مدير شركة النيل للبترول ضمن ما كان يُعرف بحكومة الانقلاب المليشياوي التي كان مخططًا لها في حال نجاح انقلاب 15 أبريل 2023 وهو الانقلاب الذي أشعل فتيل الحرب المستمرة حتى اليوم ولو نجح ذلك الانقلاب لكان الدكتور رباح اليوم أحد كبار المسؤولين في تشكيلتها ما يجعله حلقة ضعيفة ومشبوهة في معادلة الدولة الحالية خاصة أن المليشيا تعتمد على الولاءات القبلية وهو غير بعيد عن تلك الولاءات الاثنية مما يعزز الشكوك حول دوافعه الحقيقية من هذه الاستقالة ومدى جدية مؤسسات الدولة في تطهير نفسها من العناصر التي تم تمكينها لخدمة اجندات معرقلة وتأتي استقالته في توقيت بالغ الحساسية حيث يبرز الحديث مجددًا عن (الطابور الخامس) داخل مؤسسات الدولة وهي قوى تشكل امتدادًا مباشرًا أو غير مباشر لمليشيا الدعم السريع وحلفائها من صمود حتى وإن شاركت شكليًا في تشكيلات السلطة الانتقالية وفي السياق ذاته يبرز نموذج جهاز الإحصاء المركزي الذي شهد إشكالية كبيرة عقب تعيين الدكتور علي محمد عباس مديرًا عامًا له في يناير 2020 خلفًا للدكتور كرم الله علي عبد الرحمن في قرار اتسم بطابع سياسي واضح إذ تم التعيين بترشيح من خالد سلك أبرز داعمي المليشيا اليوم وقد أثارت البيانات الصادرة عن الجهاز خاصة المتعلقة بمعدلات التضخم في الولايات شكوكًا واسعة حيث أظهرت تباينات حادة يصعب تفسيرها منطقيًا فبينما سجلت ولايات مستقرة أمنيًا معدلات تضخم مرتفعة للغاية ظهرت ولايات تشهد نزاعات مسلحة بمعدلات أقل رغم استحالة الوصول الميداني إليها وجمع بيانات 645 سلعة وخدمة فيها وهذا يطرح تساؤلات جوهرية حول

منهجية جمع البيانات

دقة الأرقام المنشورة

الأهداف السياسية المحتملة وراء هذه الإحصاءات وهل كانت تهدف إلى تحجيم أطراف بعينها أو إثارة القلق في مناطق سيطرة القوات المسلحة؟

مفوضية السلام واستمرار الوجوه المثيرة للجدل ولا يمكن إغفال حالة الدكتور سليمان الدبيلو الذي عُيّن رئيسًا لمفوضية السلام في يناير 2020 عقب اتفاق جوبا فرغم أهمية الاتفاق إلا أن استمرار شخصيات مرتبطة بقوى الحرية والتغيير التي ارتبطت بدورها بتحالفات ملتبسة مع المليشيا يعكس خللًا عميقًا في عملية تفكيك التمكين السياسي كيف يمكن لمفوضية السلام أن تؤدي دورها بفعالية وهي خاضعة لتوازنات سياسية مشبوهة في وقت يؤكد فيه الفريق أول ركن ياسر العطا مساعد القائد العام وعضو مجلس السيادة وجود (طوابير داخل الحكومة) تعمل ضد الدولة من الداخل؟فلابد من التحقيق والتطهير المؤسسي لأن التخبط الإداري والسياسي الذي شهده السودان خلال هذه المرحلة يؤكد أن الحكومة الانتقالية رغم الظروف القاسية أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعزيز نفوذ القوى الداعمة للمليشيات داخل مؤسسات الدولة

وإذا كان السودان يسعى فعلًا للنهوض بعد هذه الحرب المدمرة فإن ذلك يتطلب تحقيقات شفافة وجادة حول جميع المزاعم وإعادة تقييم شاملة للتعيينات في المواقع الحساسة

تطهير مؤسسات الدولة من أصحاب الولاءات المزدوجة وبناء جهاز إداري مهني يعمل حصريًا لصالح السودان إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل ومن دون ذلك ستظل الدولة رهينة للتخبط وعرضة للاختراق مهما بلغت التضحيات