بين الاعتذار والمسؤولية الأخلاقية        قراءة في مواقف الحميراء الباشا وساجد البدويعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

 

 

بقلم علي منصور حسب الله

 

 

 

في مشهدٍ أثار جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي برز اسما الحميراء الباشا وساجد البدوي من جديد لكن هذه المرة ليس من بوابة الدعم والتحريض بل من نافذة الاعتذار والتراجع المعلن فقد قدّم الاثنان ما وصفاه بـ (اعتذار رسمي) إلى الشعب السوداني والقوات النظامية بعد أن كانا من أكثر الأصوات حضورًا وتأثيرًا في دعم مليشيا الدعم السريع وهو ما فتح بابًا واسعًا للتساؤل المشروع حول معنى الاعتذار وحدوده وجدواه الأخلاقية في سياق دموي مثقل بالضحايا والانتهاكات فقد ظهرت الحميراء الباشا في مشهد لا يمكن فصله عن رمزيته الصادمة وهي ممسكة بمدفع قنّاص في حالة من السعادة والانشراح كأنما تقدّم للناس باقة ورد لا أداة قتل كان ذلك المشهد كافيًا ليختصر حجم التناقض الصارخ بين الدور الذي كان المجتمع في أمسّ الحاجة إليه والدور الذي اختارت هي أن تتقمصه طوعًا فالحميراء وهي طبيبة متخصصة في المختبرات الطبية كان يُفترض أن تكون في الصفوف الأمامية لإنقاذ الأرواح ومداواة الجرحى وخدمة المدنيين في زمن الحرب والانهيار الصحي حيث كانت البلاد أحوج ما تكون إلى كل يدٍ طبية وكل ضمير مهني لكنها بدلًا من ذلك اختارت أن تظهر في صورة القنّاص مستعيرة عن قصد أو غير قصد صورًا نمطية رسختها أفلام مثل (العدو على الأبواب) (Enemy at the Gates) أو (القناص الأمريكي) (American Sniper) وكأنها تؤدي دورًا تمثيليًا في فيلم حربي لا تعيش واقعًا سودانيًا حقيقيًا تُزهق فيه أرواح بشر من لحم ودم وبعد فوات الأوان عادت الحميراء لتذرف الدموع وتقدّم اعتذارها عمّا قامت به غير أن هذا المشهد في نظر كثيرين بدا متجاهلًا للسؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز فوقه هل للاعتذار أن يعيد الأرواح التي أُزهقت؟ وهل تُمحى صورة الدعم العلني لمليشيا ارتبط اسمها في الوعي الجمعي السوداني بجرائم القتل والاغتصاب ونهب بيوت المواطنين؟إن دعم مليشيا وُصفت بحق بأنها مغتصِبة للنساء وناهِبة لممتلكات المدنيين لا يمكن تبريره بسوء التقدير أو نقص المعلومات أو حتى بما وصفته الحميراء نفسها بـ(قلة الأدب) فمثل هذا الدعم حين يصدر من شخص بكامل وعيه وتعليمه لا يُعفى من المساءلة الأخلاقية والاكتشاف المتأخر لـ (فظاعة الجرائم) لا يلغي حقيقة أن تلك الجرائم كانت تُرتكب في العلن وتُنقل بالصوت والصورة منذ الأيام الأولى للحرب وهي بوصفها طبيبة تعرف تمامًا معنى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وما يترتب عليها من مسؤوليات أخلاقية وقانونية أما المدعو ساجد البدوي فقد كان واحدًا من أكثر الأصوات تطرفًا في دعم المليشيا ومن أكثر أبواقها صخبًا وتحريضًا لم يكتفِ بالتأييد بل بلغ به الأمر حدّ المطالبة بالهجوم على مدن الشمال في محاولة لإثبات ولائه للمليشيا باعتباره من ذات المنطقة ولو كان الثمن إشعال نار الفتنة والاقتتال وارتكاب الانتهاكات بحق إنسان الشمال لا لشيء سوى أن ساجد البدوي أراد عمليًا توزيع الانتهاكات الجسيمة (بالعدل) على جميع أبناء الشعب السوداني واليوم يظهر ساجد البدوي بشحمه ولحمه ليعلن اكتشافه (خطأ موقفه) متخذًا من خطاب جديد مدخلًا للتبرؤ ومدعيًا أنه كان ولا يزال ضد ما يسميهم العناصر الكيزانية داخل الجيش السوداني غير أن هذا الطرح لا يبدو في نظر كثيرين سوى محاولة جديدة لتقسيم الجيش الوطني عبر الادعاء بالوقوف مع (ثلة)؛وضد (ثلة) أخرى في لحظة تاريخية تتطلب وحدة الصف لا تفكيكه وإعادة استنساخ خطاب الاستقطاب والسؤال هنا لا يتعلّق فقط بصدق النوايا بل بمنهج التفكير ذاته هل كان الخطأ في دعم المليشيا لأنها خسرت؟ أم أن الخطأ وهو الأهم كان في دعمها من حيث المبدأ لأنها ارتكبت وما زالت ترتكب جرائم بحق الشعب السوداني؟ لا شك أن باب التوبة مفتوح ولا أحد يملك صكوك الغفران ولا يحق لأي جهة مصادرة حق الإنسان في مراجعة نفسه لكن التوبة في معناها العميق ليست مجرد فيديو اعتذار ولا كلمات عاطفية تُقال بعد تغيّر موازين القوة أو تبدّل المشهد السياسي والعسكري يبقى السؤال المؤلم الذي لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف حوله هل بعودة التائبين تعود الأرواح التي قُتلت؟ وهل تعود الأموال التي نُهبت؟ وهل يُسترد شرف النساء والبنات اللائي تعرّضن للاغتصاب؟ إن الاعتذار إذا لم يُقرن بتحمّل المسؤولية الأخلاقية الواضحة وبموقف صريح لا لبس فيه من الجرائم وبانحياز كامل للضحايا لا للخطابات الرمادية يظل اعتذارًا ناقصًا بل وقد يُنظر إليه كنوع من إعادة التموضع السياسي أو الأخلاقي لا أكثر ثم إن هناك حقوقًا خاصة مرتبطة مباشرة بالضحايا وهم وحدهم من يملكون حق العفو فحتى لو قامت الحكومة ممثلة في أعلى مسؤوليها بقبول الاعتذار والتنازل عن الحقوق العامة يبقى الحق الخاص حقًا خالصًا وسلطانه بيد أولياء الدم والنساء اللائي اغتُصبن وأصحاب الأموال المنهوبة فإن ما جرى ويجري في السودان ليس مجرد خلافات سياسية أو مواقف إعلامية عابرة بل مأساة وطن كاملة الأركان والتاريخ لا يُكتب بالدموع المتأخرة بل بالمواقف في لحظات الاختبار الحقيقية وبين الاعتذار والمسؤولية الأخلاقية مسافة لا يقطعها الكلام وحده بل الصدق والاعتراف والانحياز الواضح للإنسان وللوطن وللعدالة