ضل الحراز
بقلم علي منصور حسب الله
في خضمّ حرب الكرامة التي أعادت تشكيل الاصطفافات الوطنية ووضعت السودانيين جميعًا أمام معادلة حاسمة الدولة أو الفوضى يبرز اسم القائد مصطفى نصر الدين تمبور بوصفه أحد القيادات الشابة التي سجّلت مواقف مفصلية تجاوزت حدود الجغرافيا والانتماء الضيق لتلامس جوهر المشروع الوطني السوداني ومعنى الانحياز الصريح لبقاء الدولة فقد انضمّ تمبور في وقت مبكر إلى حركة تحرير السودان عقب تخرجه في كلية الحقوق بجامعة النيلين وتدرّج في مواقعها القيادية حيث شغل منصب الناطق العسكري باسم الحركة خلال إحدى مراحلها. وقد تعرّض للاعتقال قرب مدينة الضعين في 11 ديسمبر 2015 قبل أن يُفرج عنه في 28 يونيو 2017 مع منعه من السفر خارج البلاد وفي 2 سبتمبر 2017، نجا من محاولة اغتيال خطيرة بمدينة زالنجي نفذتها مجموعة مكوّنة من سبعة أفراد أسفر عن إصابة والدته وشقيقه متوكل وشقيقته مديحة فيما نجا هو دون أذى في حادثة عكست مبكرًا حجم الاستهداف الذي واجهه وفي عام 2018 قاد تمبور انشقاقًا عن حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور في خطوة مثّلت تحوّلًا تنظيميًا وسياسيًا داخل مسار الكفاح المسلح في دارفور وعقب الثورة السودانية انضم فصيل تمبور إلى تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير غير أنّه أعلن خروجه من التحالف في عام 2022 مبررًا ذلك باتباعه نهجًا إقصائيًا وعدم إشراك الحركة في عملية اتخاذ القرار لاحقًا التحق فصيل تمبور باتفاق السلام السوداني الموقّع مع حكومة السودان في إطار سعيه للانتقال من منطق الحرب إلى أفق الدولة ما يلفت الانتباه في تجربة تمبور ليس فقط حمله السلاح دفاعًا عن الأرض والعِرض بل تحوّله الواعي من خطاب المظلومية التاريخية إلى خطاب الدولة الذي يبنته الحركات المسلحة وما زال أكثرهم أسير ذلك الخطاب رغم التحولات في بنية السياسة في السودان فمنذ اندلاع حرب الكرامة أغلق هذا القائد ملف الشكوى وتوقّف عن استدعاء مظالم الماضي مدركًا أن لحظة الخطر الوجودي لا تحتمل البكاء على الأطلال بل تتطلب وضوحًا في الموقف وانحيازًا صريحًا لبقاء السودان موحّدًا في مؤتمره الصحفي الذي عُقد بقاعة فندق الربوة بمدينة بورتسودان قدّم تمبور خطابًا يعكس انتقاله من الفعل الميداني إلى التفكير العملياتي والاستراتيجي فقد كشف عن تنسيق رفيع المستوى مع غرفة السيطرة لقطع خطوط إمداد المليشيا مؤكدًا اكتمال إعداد كتيبة قتالية نوعية بالتنسيق الكامل مع القيادة العليا للقوات المسلحة والقوة المشتركة ضمن خطة تهدف إلى تحرير ولاية وسط دارفور وإقليم دارفور عمومًا من التمرد ومن أكثر النقاط دلالة في حديثه إشارته إلى انضمام أعداد كبيرة من عناصر المليشيا السابقين إلى صفوف الجيش السوداني بعد انكشاف زيف وعود قياداتهم وانهيار مصداقيتهم وهي شهادة تؤكد أن المعركة ليست عسكرية فحسب بل معركة وعي وانكشاف أخلاقي وتنظيمي ووصف تمبور ما يجري في وسط دارفور بأنه (استعمار كامل) وهو توصيف يستند إلى وقائع موثقة لا إلى مبالغة سياسية فقد شهدت محليات الولاية التسع تدميرًا واسعًا للبنى التحتية وكانت منطقة أزوم مثالًا صارخًا حيث وقعت أعمال إبادة جماعية وتدمير ممنهج لدور العبادة والمؤسسات التعليمية في محاولة واضحة لكسر إرادة المجتمع وطمس هويته
وانتقد تمبور بشدة الغياب شبه الكامل للتغطية الإعلامية الدولية وصمت المنظمات الحقوقية تجاه هذه الجرائم معتبرًا أن هذا الصمت يرقى إلى تواطؤ أخلاقي وطالب بتصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية دوليًا بالنظر إلى تجاوزها كل تعريفات الصراع المسلح إلى مستوى الجرائم المنظمة ضد الإنسانية ويُحسب لتمبور حديثه الصريح عن الدور السلبي لبعض المنظمات الدولية والدول الداعمة للمليشيا دون مواربة أو حسابات سياسية فقد انتقد أداء منظمة اليونيسيف واصفًا تدخلها في مجالي الصحة والتعليم بالضعيف جدًا لا سيما في معسكرات النازحين التي تعاني أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة وأشار إلى نزوح أكثر من مليون وسبعمائة وخمسين ألف مواطن إلى تشاد وجنوب السودان هربًا من بطش المليشيا وهو رقم يعكس حجم الكارثة الإنسانية ويكشف محدودية الاستجابة الدولية وفي أحد أخطر الملفات كشف تمبور عن وجود نحو 450 عمدة يدعمون المليشيا المتمردة معتبرًا ذلك مدخلًا لشرعنة مشروع التغيير الديمغرافي ودعا إلى مراجعة قانون الإدارة الأهلية وإعادة صياغته بما يعيد له هيبته التاريخية مع تطهيره من العناصر المرتبطة بالتمرد
وأكد خطورة هذا المشروع بالإشارة إلى تفشي جرائم الاغتصاب واختطاف التجار وطلب الفدية ونهب الثروة الحيوانية إضافة إلى الاستيلاء على الميادين العامة وإزالة المعالم البيئية بما فيها غابة زالنجي في محاولة لإعادة تشكيل الواقع بالقوة وحذّر تمبور من استغلال بعض المنظمات لمعبر أدري في إدخال أسلحة ومعدات حربية للمليشيا تحت غطاء العمل الإنساني مطالبًا الحكومة الاتحادية بفرض رقابة صارمة وتفتيش شامل للشاحنات حمايةً للأمن القومي وصونًا لمفهوم العمل الإنساني من التسييس ورغم قتامة المشهد قدّم تمبور رؤية مستقبلية متفائلة تشمل إنشاء مطار الشهيد علي دينار لربط الولاية بالعالم وتعزيز موقعها الاقتصادي وتمكين الطلاب من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية وتفويج الحجاج رغم الظروف الصعبة وفتح آفاق الاستثمار في الزراعة والثروة الحيوانية،د والسياحة مستندًا إلى الميزات التنافسية للولاية وأكد دعمه الكامل للقوات المسلحة في استعادة الولاية وضمان عودة النازحين إلى ديارهم بكرامة وأمان يمثل القائد مصطفى نصر الدين تمبور نموذجًا لقائد خرج من رحم المعاناة لكنه اختار في لحظة مفصلية الانحياز إلى مشروع الدولة لا مشروع الانتقام وإلى المستقبل لا اجترار الماضي خطابه مهما اختلف حوله البعض يعكس وعيًا متقدمًا بطبيعة المعركة وإدراكًا عميقًا بأن دارفور لا تُنقذ بالشعارات بل بإسقاط مشروع الفوضى واستعادة هيبة الدولة وبناء سلام يقوم على العدالة لا على المليشيات وفي زمن الرمادية تبقى المواقف الواضحة عملة نادرة
وتمبور قولًا وفعلًا، اختار بوضوح أين يقف

