علي منصور يكتب عن
العقيد إبراهيم الحوري
العقيد إبراهيم الحوري ليس مجرد ضابط عسكري يؤدي مهامه بشكل روتيني بل هو رجل عقد عهده الحقيقي مع الوطن، لا مع منصبٍ أو رتبةٍ وظيفية. هو ابن الميدان، وصوت الحق في زمن طغت فيه الالتواءات والتكتيكات السياسية على المبادئ. الحوري ليس من أولئك الذين يسعون وراء الترف أو المنافع الشخصية، بل هو حارس للمبادئ التي لا يقبل المساومة عليها، ونموذج نادر في زمن انكسرت فيه كثير من الرموز.
كنا نتابع الفرحَة العارمة التي تعمّ صفوف الوطنيين المخلصين مع كل موقفٍ مشرّف يتخذه العقيد الحوري. كانت تلك المواقف شهادةً على أنه أكثر من مجرد فرد في مؤسسة، بل حالة وطنية فريدة. مواقفه لم تقتصر على دوره العسكري، بل تجسّدت في صوته الصادح، الذي لا يخشى أن يعلو في وجه أعداء الداخل والخارج. لم يكن غريبًا أن يتوجّس منه خصومه؛ لا لأنه رفع صوته ضدهم فحسب، بل لأنه رفع من مقام الوطن فوق أي اعتبارٍ آخر.
وفي المقابل، لم يفرح بإحالته إلى التقاعد إلا قلة، أولئك الذين كانوا يضيقون ذرعًا بنزاهته وصدقه وبسالته. لم يحتفلوا بتقاعده حرصًا على راحته، بل فرحوا بتغييب صوتٍ كان يمثل الحارس الذي لا يُشترى، والموقف الذي لا يُكسر. فالحوري لم يكن مجرد ضابط في الجيش، بل كان عقدة في حناجر أعداء الوطن، وصوتًا يصعب تجاهله أو تهميشه.
ظنّ أولئك أن تقاعده يعني تخلّصهم من رجل لا يمكن ترويضه، لكنهم لا يدركون أن الحوري اليوم أشد مراسًا من حوري الأمس؛ فقد تخلّص من قيود الوظيفة التي كانت تحدّ من انطلاقه للتعبير عن آرائه بحرية.
لقد تعاملت مع العقيد إبراهيم الحوري عندما كان يشغل منصب رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة، حيث كنت أكتب مقالات دوريةخ تحذّر من مخططات المدعو فولكر، الذي كان بالنسبة لي أشبه بـ”بريمر” السودان. وقد تسببت تلك المواقف الواضحة في أن يواجه الحوري تحدياتٍ كبيرة وصلت إلى إعفائه من منصبه، لكنه، رغم كل ذلك، ظل ثابتًا لا يتزحزح، متمسكًا بمبادئه، لا يراوغ ولا يساوم.
العقيد الحوري، سواء كان يرتدي الزي العسكري أو الجلابية السودانية التقليدية، لا يتبدل جوهره. فـ”الجلابية” التي سيرتديها اليوم ليست مجرد لباس، بل عنوانٌ للشموخ والكبرياء، ورسالة رمزية تتجاوز الشكل إلى المضمون. إنها تعبير عن الانطلاق الحرّ نحو فضاءات المواجهة، والثبات على المبادئ، والكرامة الوطنية.
ولو أدرك خصومه ما يعنيه أن يكون الحوري بلا قيود رسمية، لطالبوا هم بإبقائه تحت قيود الرتبة! لأنه رجلٌ صعب المراس، لا يُروّض، ولا يُخدع، ولا ينسى عهده لوطنه. فالحوري ليس مجرد ضابط أو مسؤول سابق، بل هو رمزٌ وطني لا يتقاعد كما يتقاعد الآخرون. هو رجل لا يعرف التراجع عن مواقفه، ولا يقبل المساومة على قضيته.
في زمنٍ كثرت فيه التقلبات السياسية، وندر فيه الثبات على المبادئ، يظل العقيد إبراهيم الحوري صفحة ناصعة في كتاب الوطنية. هو الصوت الذي لا يُسكت، وإن غاب عن المشهد الرسمي. هو لا يتقاعد، بل يبقى رمزًا حاضرًا في الذاكرة الوطنية، ليس لأنه ارتدى البزة العسكرية أو الجلابية، بل لأنه ظل يجسّد في مواقفه ما يعنيه أن تُقدّم الوطن على كل مصلحة شخصية.
رجالٌ مثل الحوري لا يتقاعدون، بل يظلون رموزًا يُستذكرون دائمًا كعناصر أساسية في بناء الأوطان وتثبيت أسسها.
وحين تغيب الأسماء، تبقى الأفعال تروي قصصًا لا تموت.
الحوري ليس فقط جزءًا من تاريخ السودان العسكري، بل هو واحد من أولئك الرجال الذين يبقون أحياءً في ذاكرة الوطن، حتى وإن غابوا جسدًا.

