ضل الحراز
بقلم علي منصور حسب الله
لم يكن مستغربًا ولا صادمًا أن تقلل مديرة قناة العربية في السودان من شأن الحشود الوطنية التي خرجت في الثالث عشر من ديسمبر تلك الحشود التي عبّرت بوضوح لا لبس فيه عن رفضها لمليشيا الدعم السريع وأعلنت دعمها الكامل للقوات النظامية في معركة وجودية تخوضها الدولة السودانية دفاعًا عن سيادتها ووحدة ترابها غير أن الصادم حقًا ليس في مضمون التقليل وحده بل في السياق والدلالة والتوقيت وما يكشفه هذا السلوك من أزمة عميقة في مفهوم المهنية الإعلامية وحدودها ومسؤوليتها الأخلاقية وصف تلك الحشود بأنها مجرد محاولة (للفت الانتباه) ليس رأيًا عابرًا بل حكمٌ قيمي يُفرغ الفعل الجماهيري من مضمونه الوطني ويتجاهل دماء سالت ومدن قُصفت وأطفال قُتلوا بطائرات مسيّرة كما حدث في كلوقي وغيرها على يد مليشيا لم تُخفِ عداءها للدولة ولا استخفافها بالأعيان المدنية إن اختزال هذا الغضب الشعبي في توصيف سطحي هو إهانة لوعي الناس قبل أن يكون إساءة لموقفهم الأمر الأكثر خطورة أن هذا (التجاوز) لم يكن الأول فقد سبقه تحذير صريح من إدارة الإعلام الخارجي؛وبُذلت بشهادة الوقائع مجهودات كبيرة لتقويم الخط التحريري وضبط الأداء المهني لكن المفارقة المؤلمة أن رئيس الوزراء السيد كامل إدريس رغم جسامة الملفات الملقاة على عاتقه في ظرف بالغ التعقيد ورغم انشغاله بدماء الأبرياء التي لم تجف بعد اختار أن يتدخل شخصيًا ليتصل بالمعنية بالأمر وينقل لها إلغاء قرار إدارة الإعلام الخارجي بشأنها هنا يحق لنا أن نتساءل من الذي خذل من؟ هل خذلت الصحفية المهنية التي يُفترض أن تتحلى بها؟ أم خذلها من أعاد لها الغطاء السياسي رغم التجاوزات المتكررة؟ أم أن الخذلان الأكبر وقع على الشعب السوداني نفسه الذي ينتظر من إعلامه المحلي والدولي حدًا أدنى من الإنصاف والموضوعية؟ إن الإعلام خاصة في أوقات الحرب ليس منصة محايدة بالمعنى الساذج للحياد بل هو فاعل مؤثر في تشكيل الوعي العام وتوجيه الرأي وبناء السرديات وعندما يتماهى الخطاب الإعلامي عمدًا أو تقصيرًا مع تقليل معاناة الضحايا أو تشويه الحراك الوطني فإنه يتحول من ناقل للخبر إلى شريك في التضليل ومن مراقب للسلطة إلى أداة ضغط على الضحية فالمهنية لا تعني الوقوف في منتصف الجريمة والضحية ولا تعني المساواة بين من يقصف المدن ومن يخرج محتجًا على القصف المهنية الحقة تبدأ من احترام الحقائق والاعتراف بالسياق والإنصات لصوت الشارع لا ازدرائه وما جرى في توصيف حشود 13 ديسمبر لا يمت للمهنية بصلة بل يندرج في خانة الاستعلاء الإعلامي والانفصال عن نبض الناس اليوم وبعد هذا التجاوز الجديد يعود السؤال الذي طُرح سابقًا بإلحاح أكبر من يتحمل المسؤولية عند تكرار هذه الانزلاقات؟ هل هي الصحفية وحدها؟ أم إدارة القناة؟ أم من ألغى القرارات وكسر هيبة المؤسسات وأرسل رسالة خاطئة مفادها أن التجاوز بلا ثمن؟ إن السيد كامل إدريس وهو رجل دولة قبل أن يكون رئيس وزراء مطالب اليوم بتوضيح موقفه لا دفاعًا عن شخص بل دفاعًا عن مبدأ فالإعلام الذي يخذل الحقيقة يخذل الوطن ومن يمنحه الغطاء يشاركه المسؤولية شاء أم أبى في النهاية لا تحتاج الحشود الوطنية إلى شهادة مهنية من أحد فهي عبّرت عن نفسها بوضوح ورفعت علم الوطن لا لافتة دعائية وخرجت بدافع الانتماء لا البحث عن (لفت الانتباه) أما الإعلام الذي يعجز عن قراءة هذا المشهد فالمشكلة ليست في الحشود بل في البوصلة فما قام به السيد كامل إدريس إساءة لمنصبه وتجاوز خطير يجعله عرضة للمساءلة وهو من يتحمل هذه التجاوزات ويجب عليه تقديم استقالته أو تتم إقالته فوراً من منصبه

