أمريكا بين الضمير الإنساني وازدواجية السياسات     جانيت لين مكاليغوت نموذجًا… والتاريخ شاهدًاعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

 

 

بقلم علي منصور حسب الله

 

 

بدعوة من المركز العالمي للدراسات السياسية والاستراتيجية الذي يديره الدكتور عبد العزيز نور عشر وبمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين استضاف المركز الخبيرة الأمريكية جانيت لين مكاليغوت ضمن برنامجه الموسوم بـ(تصورات الانتقال) وذلك للمشاركة في ندوة حوارية تفاعلية بعنوان (العلاقات السودانية–الأمريكية في ظل مشهد دولي متغير) والتي انعقدت في قاعة أركويت بفندق مارينا (كورال سابقًا) في مدينة بورتسودان تُعد جانيت لين مكاليغوت واحدة من الأسماء البارزة في دوائر صنع القرار الأمريكية حيث شغلت سابقًا منصبًا في البيت الأبيض خلال إدارة الرئيس جورج بوش الأب وعملت كمستشارة وحلقة وصل اجتماعية ضمن الطاقم الاستشاري السياسي للرئيس هذا الموقع أتاح لها إلمامًا عميقًا ببنية القرار داخل البيت الأبيض مما منحها القدرة على فهم حدود الاهتمام الأمريكي وأدواته وكيفية توظيف القضايا الدولية بما يخدم المصالح القومية الأمريكية

ومع ذلك فإن اللافت في حضور مكاليغوت لم يكن فقط خبرتها السياسية بل كان البعد الإنساني العميق الذي عكسته مواقفها العلنية فقد ظهرت في مقاطع متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي وهي تذرف الدموع حزنًا وألمًا على المجازر المروعة التي شهدتها مدينة الفاشر هذا المشهد الإنساني الصادق قدّم صورة مغايرة للصورة الذهنية النمطية عن (الأمريكي الرسمي) حيث أظهرها كإنسان يتألم للضحايا لا كأرقام في تقارير سياسية بل كأرواح بريئة أُزهقت ظلمًا وهو ما قد يسهم في إعادة تشكيل الصورة الذهنية للإنسان الأمريكي لدى الأجيال السودانية الجديدة

لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه المجازر التي أبكت جانيت كان الأمريكيون طرفًا غير مباشر فيها عبر الأسلحة التي صُنعت في الولايات المتحدة وبحماية سياسية أو تغاضٍ واضح عن دور دولة الإمارات في دعم المليشيات بالسلاح هنا يتجلى التناقض الصارخ بين الضمير الإنساني لبعض الأفراد وازدواجية السياسات الرسمية للدول فمنذ زيارة الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت إلى السودان في بداية القرن العشرين مرورًا بالعلاقات السودانية–الأمريكية التي شهدت مراحل عدة كان هناك تقلبات كبيرة في العلاقات بين البلدين في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات ازداد الاهتمام الأمريكي بالسودان حيث زار البلاد عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين وفي مارس 1954 أرسلت الولايات المتحدة مندوبًا للإشراف على أول انتخابات سودانية وفي عام 1957 أدرج السودان ضمن برنامج المعونة الأمريكية بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد عقب الاستقلال

استمر التعاون الأمريكي مع السودان في العقود التالية ففي عام 1958 وبعد انقلاب الفريق إبراهيم عبود ازدادت المساعدات الأمريكية للسودان وتجاوزت 50 مليون دولار بين عامي 1958 و1961 لكن بعد ثورة أكتوبر 1964 وسقوط الحكم العسكري توترت العلاقات بسبب احتجاجات ضد السفارة الأمريكية كما شهدت السنوات التالية تدهورًا كبيرًا في العلاقات خاصة بعد انقلاب جعفر نميري عام 1969 الذي حول السودان نحو المعسكر الاشتراكي ثم رجوعه إلى التحالف مع الولايات المتحدة بعد عام 1971 بعد الانقلاب العسكري الشيوعي إلا أن هذا التعاون لم يدم طويلًا حيث عادت التوترات في السبعينيات والثمانينيات بسبب عدة قضايا من بينها المساعدات الأمريكية التي باتت مرتبطة بالحرب الأهلية في السودان ومواقف واشنطن من النزاع في الجنوب وفي عام 1993 صنفت الولايات المتحدة السودان كدولة راعية للإرهاب ومن ثم فرضت عقوبات اقتصادية شاملة إن تاريخ العلاقات السودانية–الأمريكية معقد ومليء بالتقلبات مما يجعل من الصعب فهم المواقف الأمريكية تجاه السودان فعلى الرغم من دعم بعض الشخصيات الأمريكية للقضايا الإنسانية مثل جانيت لين مكاليغوت إلا أن السياسات الرسمية أظهرت وجهًا آخر مليئًا بالازدواجية فمن جهة قدمت الولايات المتحدة مساعدات إنسانية وتنموية للسودان في فترات معينة ومن جهة أخرى كانت مشاركتها في الصراع الدولي تدعم الأنظمة التي تمارس سياسات القمع والقتل

ومثال على ذلك كان الموقف الأمريكي في قضية دعم السودان للعراق خلال غزو الكويت وهو ما أدى إلى تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب وفرض عقوبات اقتصادية لم تضر فقط بالحكومة السودانية بل ألقت بظلالها الثقيلة على الشعب السوداني كما تواصلت التوترات في السنوات التالية مع العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة بما في ذلك قصف المنشآت السودانية في عام 1998 وبعد انفصال جنوب السودان في 2011 ظلت الصورة النمطية السلبية عن الولايات المتحدة متأصلة في الذاكرة الجماعية السودانية ورغم هذا التاريخ المعقد فإن مواقف شخصيات أمريكية مثل جانيت لين مكاليغوت إلى جانب عدد من أعضاء الكونغرس تُظهر أن أمريكا ليست كتلة واحدة من الشر بل هناك أصوات وشخصيات تؤمن بالقيم الإنسانية وتدين السياسات الظالمة ومن هؤلاء الشخصيات السيناتور كريس فان هولن الذي أدان مجزرة روضة أطفال نبع الحنان في كالوقي ورفض بيرني ساندرز جر الولايات المتحدة إلى حرب مدمرة كما أبدى عدد من أعضاء الكونغرس مثل تشاك غراسلي و جيم ريش اعتراضهم على السياسات الأمريكية تجاه السودان وانتقدوا دور بعض الحلفاء الإقليميين في إضفاء شرعية على مليشيات الدعم السريع هذه المواقف تُظهر أن هناك فرقًا بين الضمير الأمريكي الرسمي الذي قد ينحرف بسبب المصالح السياسية وبين ضمير بعض الأفراد الذين يسعون لتحقيق العدالة الإنسانية في هذا السياق تأتي أهمية الدبلوماسية الشعبية كأداة موازية للدبلوماسية الرسمية يمكنها أن تساهم في بناء صورة إيجابية للأمريكيين من خلال تفاعلات إنسانية مباشرة مثل تلك التي أظهرتها جانيت لين مكاليغوت إضافة إلى العديد من الشخصيات الأخرى التي ترفض القمع وتدافع عن حقوق الإنسان والدبلوماسية الشعبية هي مجمل الأنشطة غير الرسمية التي يقوم بها الأفراد ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية والإعلامية والجامعات والفنانون والشركات بهدف التأثير في الرأي العام الخارجي وتعزيز التفاهم الثقافي والإنساني بين الشعوب

ومن أبرز أدواتها الإعلام التقليدي والرقمي (مثل منصات التواصل الاجتماعي، الصحافة، القنوات الفضائية)

والتبادل الثقافي والتعليم (المنح الدراسية، البرامج الطلابية، المعارض الفنية) والرياضة والفن (مثل البطولات، السينما، الموسيقى) ومنظمات المجتمع المدني (المبادرات الإنسانية، حقوق الإنسان، الإغاثة).

خلاصة إن دموع جانيت لين مكاليغوت ليست مجرد دموع امرأة بل هي شهادة أخلاقية تُدين نظامًا دوليًا يكيل بمكيالين هذه الدموع تذكير بأن الضمير الإنساني لا يزال حيًا حتى داخل أكثر الأنظمة السياسية براغماتية ورغم أن السياسات الرسمية قد تضل طريقها إلا أن صوت الضمير الأصيل لا يغيب عن العديد من الشخصيات الأمريكية التي ترفض الظلم وتسعى للعدالة ومن خلال الدبلوماسية الشعبية يمكن للسودانيين والأمريكيين أن يعيدوا تشكيل الصورة الذهنية ويعيدوا بناء جسور إنسانية تؤثر إيجابًا على العلاقات الدولية فالتاريخ قد لا ينسى والشعوب مهما أُنهكت تميز بين الضمير والقرار