الآثار السودانية معركة الذاكرة والهوية…        واستعادة التاريخ من براثن النهبعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

 

 

 

 

كتب علي منصور حسب الله

 

 

 

ليست الآثار حجارةً صامتة ولا بقايا جامدة من الماضي بل هي ذاكرة الشعوب الحيّة وسجلّها المفتوح الذي يروي قصة الإنسان وصراعه، وإبداعه وتطوره عبر العصور وحين تُنهب الآثار لا يُسرق حجر أو تمثال فحسب بل تُنتزع صفحات كاملة من تاريخ أمة ويُعتدى على هويتها وعلى حق أجيالها القادمة في معرفة جذورها والاعتزاز بها ومن هذا المنطلق فإن استعادة جزء كبير من الآثار السودانية المنهوبة تمثل انتصاراً وطنياً وأخلاقياً وثقافياً لا يقل في رمزيته وأهميته عن أي معركة سيادية لأنها في جوهرها معركة دفاع عن الذاكرة الجماعية والهوية الحضارية للسودان وتكمن أهمية الآثار في كونها الرابط العضوي بين الماضي والحاضر والجسر الذي تعبر من خلاله الأجيال لتتعرف على جذورها فتتشكل لديها مشاعر الانتماء والفخر والوحدة الوطنية فالآثار ليست مجرد شواهد تاريخية بل هي مصدر رئيسي للمعرفة والتعليم توثق تطور الحضارات وأنماط الحياة والأنظمة السياسية والابتكارات الفنية والتقنية للشعوب السابقة كما تمثل الآثار مورداً اقتصادياً استراتيجياً إذ تسهم في دعم السياحة الثقافية وخلق فرص العمل وتنشيط الاقتصاد المحلي عبر المهرجانات والبرامج السياحية المرتبطة بها وهي قبل ذلك كله واجب أخلاقي ومجتمعي يفرض على الدول حماية تراثها من الإهمال والعبث والتهريب باعتباره ملكاً مشتركاً للأمة وللإنسانية جمعاء

ولطالما كان السودان مهداً لحضارات عظيمة سبقت كثيراً من حضارات العالم القديم وأسهمت بعمق في تشكيل التاريخ الإنساني فقد أشار هيرودوت أشهر مؤرخي الإغريق إلى استمرارية الحضارة في وادي النيل الجنوبي من عصر الفراعنة إلى البطالسة كما وثّق المقريزي وغيره من المؤرخين المسلمين الدور الحضاري لممالك النوبة، ومروي وكوش باعتبارها حضارات قائمة بذاتها وليست هامشاً أو تابعاً لتاريخ غيرها وقد جاءت اكتشافات عالم الآثار السويسري شارل بونيه لتؤكد هذه الحقيقة علمياً حين أثبت من خلال حفرياته في كرمة أن الحضارة النوبية سبقت الحضارة المصرية وأثّرت فيها وكشف عن ملوك سودانيين حكموا مصر فيما عُرف بعهد (الفراعنة السود) ولم تكتفِ هذه الاكتشافات بإعادة كتابة تاريخ السودان فحسب بل أعادت طرح أسئلة جوهرية حول أصول الحضارة الإنسانية نفسها ومركزية أفريقيا في نشأتها وتطورها لكن وعلى الرغم من هذا الإرث الحضاري العميق تعرّض السودان لعمليات نهب واسعة لآثاره خاصة خلال فترتي الاستعمار التركي (1821–1885) والاستعمار الإنجليزي المصري (1898–1956) حيث جرى ترحيل آلاف القطع الأثرية عبر بعثات رسمية تمثل سلطات الاستعمار أو على أيدي مغامرين وقراصنة آثار مثل الإيطالي فرليني الذي دمّر أهرامات مروي باستخدام الديناميت بحثاً عن الذهب في واحدة من أبشع الجرائم المرتكبة بحق التراث الإنساني واليوم تنتشر الآثار السودانية في أكثر من (22) متحفاً عالمياً من لندن وباريس وبرلين إلى بوسطن ونيويورك ووارسو في مشهد يجسد ما يمكن تسميته بـ (التاريخ السائب) حيث تُعرض ذاكرة شعب كامل بعيداً عن موطنها الطبيعي دون أي مساءلة أخلاقية أو تاريخية وفي هذا السياق تكتسب عملية استرداد الآثار المنهوبة أهمية استثنائية فالجهود التي بذلها جهاز المخابرات العامة بشقيه الاقتصادي والسياسي وجهاز الاستخبارات العسكرية وقوات الشرطة وإدارة الآثار بوزارة الثقافة والإعلام والسياحة بقيادة وزيرها سوخوي السودان الأستاذ خالد إسماعيل الأعيسر والتي أسفرت عن استعادة 570 قطعة أثرية ليست مجرد عملية أمنية بل ملحمة وطنية حقيقية للدفاع عن هوية السودان وذاكرته التاريخية

ويأتي هذا الإنجاز في ظل حرب شاملة شنتها مليشيا الدعم السريع على الوجود السوداني لم تقتصر على قتل المدنيين وتهجيرهم بل امتدت لتشمل تدميراً ممنهجاً وسرقة منظمة للتراث الحضاري في انتهاك صارخ لاتفاقية لاهاي لعام 1954 التي تجرم استهداف المواقع الثقافية والأثرية أثناء النزاعات المسلحة فاستهداف التراث الثقافي ليس ضرراً مادياً فحسب بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان تهدف إلى محو الذاكرة التاريخية وطمس الهوية الثقافية للشعب السوداني واقتلاعه من تاريخه وأرضه عبر تدمير رموزه الحضارية وقد عبّر وكيل وزارة الثقافة والإعلام والسياحة الدكتور جراهام عبد القادر عن حجم الكارثة التي لحقت بالتراث السوداني عقب اندلاع الحرب مشيراً إلى نهب نحو 4,000 قطعة أثرية من المتحف القومي و200 قطعة من بيت الخليفة بمدينة أم درمان إضافة إلى توقف عمل نحو 40 بعثة أثرية كانت تنشط في البلاد قبل الحرب

إن استهداف الآثار السودانية من قبل المليشيا يؤكد عدم ارتباط منسوبيها وجدانياً بهذا الوطن ويثبت استعانتها بمرتزقة لا يحملون أي انتماء للأرض أو التاريخ أو الذاكرة الجمعية للشعب السوداني وإن استعادة هذه القطع يجب أن تكون بداية لا نهاية فليس هناك أي مبرر لتقاعس السودان عن المطالبة بحقه المشروع في استرداد آثاره المنتشرة في متاحف العالم خاصة أن دولاً أخرى في المنطقة نجحت في ذلك عبر حملات قانونية ودبلوماسية مسنودة بتشريعات دولية واتفاقيات ثقافية

والمطلوب اليوم هو مشروع وطني شامل لاسترداد الآثار يقوم على التوثيق العلمي الدقيق لكل القطع المنهوبة وتفعيل القوانين والاتفاقيات الدولية وبناء تحالفات مع باحثين ومؤسسات ثقافية عالمية ورفع الوعي المجتمعي بقيمة الآثار وخطورة تهريبها

لأن الآثار ليست ماضياً… بل مستقبل نعم ليست ماضياً منتهياً بل مستقبل يُبنى على الوعي بالجذور وحمايتها فاسترداد الآثار ليس ترفاً ثقافياً بل ضرورة وطنية لبناء وعي متوازن بين الماضي والحاضر وغرس قيم الفخر والانتماء في نفوس الأجيال القادمة فالآثار هي المرآة التي ترى فيها الأمم نفسها وإذا انكسرت هذه المرآة تاهت الهوية وضاع الطريق واستعادة الآثار السودانية اليوم مهما كانت جزئية هي إعلان واضح بأن ذاكرة السودان ليست مباحة وأن هذا الشعب رغم الجراح قادر على الدفاع عن تاريخه وصون حضارته واستعادة ما سُلب منه… حجراً حجراً وذاكرةً ذاكرة كما يؤكد ذلك أن قواته النظامية قادرة على القتال في كافة الجبهات مهما تعددت فالتحية لجهاز المخابرات العامة وقادته وعلى رأسهم الفريق أول أحمد مفضل بعبع المليشيا والوكيل الممول للمليشيا في أبوظبي

والتحية لقوات الجيش وخاصة فرع الاستخبارات العسكرية والتحية لقوات الشرطة وإدارة الآثار السودانية ووزارة الثقافة والإعلام والسياحة والتحية خاصة للأستاذة أمل قسم الله التي كلما ذُكرت الآثار المنهوبة زرفت الدموع لمعرفةٍ عميقة بقيمتها وإحساسٍ صادق بخطورة ما فُقد وما يجب أن يُستعاد