ضل الحراز: علي منصور حسب الله
من المدهش، وربما المؤلم، أن نشهد مرةً تلو الأخرى كيف يتحول دعاة الشعر الثوري إلى مجرد صدى أجوف حين تضعف الأخلاق أمام بريق السلطة. فعندما عُيِّن الدكتور معز عمر بخيت وزيراً للصحة، لم تكن الصدمة في مؤهلاته أو قدراته العلمية التي لا شك فيها، بل في التناقض الصارخ بين مواقفه الشعرية الحادة ضد العسكر، وقبوله الجلوس في حكومة يتصدرها مجلس سيادة يغلب عليه الطابع العسكري.
الدكتور معز ليس اسماً عابراً. إنه أستاذ جامعي، وطبيب، وباحث علمي مرموق له أكثر من 150 بحثاً علمياً وعدد من براءات الاختراع الدولية. كما أنه شاعر غزير الإنتاج، أصدر 16 ديوان شعر، حمل كثير منها صرخات في وجه العسكر، والطغيان، والكهنوت، وكل ما يمثل التسلط والتخلف، بحسب تعبيره.
في بعض قصائده، يكاد يعلن الحرب على “العسكر” لفظاً ومعنى، قائلاً:
أنا أرفض
حكم العسكر الأول
وحكم العسكر الثاني
أنا أرفض
بقايا الحاكم السجان
والكيزان
والطغيان
فهل من الإنصاف، أو من الأخلاق السياسية، أن يتحوّل هذا الرفض الحاسم إلى قبول وارتقاء لمنصة السلطة ذاتها التي قال إنه “يرفضها بكل صراحة”؟ إن قبول د. معز عمر بخيت بمنصب وزير الصحة في حكومة يشارك فيها العسكر، يتطلب منه، أخلاقياً، تقديم تفسير واضح لهذا التحوّل المفاجئ. فهل غيّر موقفه من العسكر؟ أم أن هناك معطيات جديدة فرضت تصالحه معهم؟ أم أن قصائده التي هاجمت المجلس العسكري بأوصاف مثل “الأوغاد” و”الأوباش”، لم تكن نابعة من موقف مبدئي، بل مجرّد تمارين لغوية في النقد والشجب؟
صحيح أن الوقوف مع الجيش في معاركه الوطنية لا يعني بالضرورة تبديل المواقف السياسية، إذ يمكن دعم الجيش في معارك الكرامة والذود عن الوطن، دون التخلي عن القناعة بالحكم المدني والتحوّل الديمقراطي. لكن إذا كانت تلك القصائد مجرّد تعبير عاطفي مؤقت، فإن تحوّل المواقف يفتح الباب لتساؤل أكبر: ما قيمة الكلمة في المشهد السياسي السوداني؟ وهل أصبحت القصيدة وسيلة للتصعيد والمزايدة الجماهيرية، ثم تُطوى في الجيب عند اقتراب الكرسي الوزاري؟
ما فعله الدكتور معز لا يمكن فصله عن سياق أوسع يعاني منه السودان، وهو “عدم أخلاقية التبديل” — أي تحوّل النخب الفكرية والسياسية من موقف إلى نقيضه دون مصارحة أو مبرر واضح، بل مع محاولة تجميل الموقف الجديد وكأنه امتداد طبيعي لما سبقه. هذه الظاهرة المتكررة في التحولات السياسية تعمّق فجوة الثقة بين الجماهير والنخب، وتحوّل رموز المعارضة إلى وجوه باهتة في مؤسسات السلطة، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلّقة بلا إجابات.
قبول المنصب في حكومة يشارك فيها العسكر، بعد كتابة قصائد تهاجمهم بأقسى العبارات، لا يمكن تبريره بادّعاء “خدمة الوطن”. فالوطن لا يُخدَم عبر التناقض، ولا عبر كسر المبادئ، بل من خلال الثبات عليها، أو على الأقل الشفافية في مراجعتها حين كتب د. معز بخيت مادحاً قوى إعلان الحرية والتغيير، قال:
قوى الحرية التغيير
يا وطني هي الأقدر
والسودان سيدنا
وليس الحاكم الموروث
والمحكوم بالجينات
ألم تكن هذه القوى ترى أن المجلس العسكري عقبة في طريق التحوّل الديمقراطي؟ ألم تكن تلك القصائد دعوات للثورة، لا للمشاركة في الحكم؟
وإذا كانت تلك القصائد صادقة، فهل يرى د. معز أن الواقع تغيّر؟ أم أنه هو من تغيّر؟
بل كتب مادحاً الإعلامية صفاء الفحل، حين رمت السياسي التوم هجو بحذائها، قائلاً:
اخلعي حذاءك الشريفَ
يا صفاءُ واقذفيهْ
والعار في وجوههم
وبؤسها الكريهْ
فهل تحوّلت تلك “الوجوه الكريهة” اليوم إلى شركاء شرعيين في الحكومة؟
لا اعتراض على كفاءة الدكتور معز عمر بخيت العلمية، ولا على ثرائه الثقافي، ولا على مكانته المرموقة في المجتمع الأكاديمي. لكن المواقف السياسية لا تُقاس بالشهادات ولا بالبراءات، بل بالثبات على المبادئ، أو على الأقل بالصدق في مراجعتها.
لقد أصبح الشعر في زماننا، للأسف، وسيلةً للتموضع السياسي، لا زاداً للثورة. وهذه هي الكارثة الحقيقية: أن يتحوّل الشعر إلى جسر نحو السلطة، لا نحو الحقيقة. وأن يُصبح الشاعر وزيراً لا لأنه وقف ضد الظلم، بل لأنه قال كلاماً بدا جميلاً في وقته، ثم تجاوزه حين اقترب من الكرسي.
إنها أزمة أخلاقية أكثر من كونها سياسية، وهي تجسّد ما تعاني منه بلادنا: أن المبادئ تُبدّل، ثم تُجمّل، ثم تُختزل في خطاب جديد، دون أن يرفّ لأحد جفن.
فهل تبقى عبارة “أنا أرفض” مجرّد بيت شعر؟
أم كانت كذبة سياسية… على وزن القصيدة؟

