ضلّ الحراز: علي منصور حسب الله
في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا وهشاشة في تاريخ السودان الحديث، تولّى الفريق أمن أحمد إبراهيم مفضل قيادة جهاز الأمن والمخابرات العامة، وسط تحديات جسيمة وأوضاع أمنية متدهورة ومشهد سياسي بالغ الاضطراب. جاء تعيينه في أعقاب سقوط النظام السابق، في وقتٍ كانت فيه المؤسسة الأمنية تعاني من تفكيك ممنهج، وضعف في بنيتها الهيكلية والتنظيمية، نتيجة ضغوط داخلية بدعم خارجي وانقسامات حادة بين مكونات القوى السياسية، لا سيّما بين قوى إعلان الحرية والتغيير (قحت) من جهة، ومناصري قائد قوات الدعم السريع السابق، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، من جهة أخرى.
عانى جهاز الأمن في تلك المرحلة من فقدان أبرز وحداته، وعلى رأسها هيئة العمليات، التي كانت تمثّل الذراع الميدانية القوية للجهاز، فضلاً عن تقليص كبير في صلاحياته القانونية والتشغيلية. انعكست هذه التغيرات سلبًا على أداء الجهاز ومقدرته على التفاعل مع التهديدات المتزايدة التي كانت تضرب السودان من أطرافه.
ورغم هذا الواقع بالغ التعقيد، تصدى الفريق أحمد مفضل للمهمة بكل شجاعة ومسؤولية، مستندًا إلى خبرة استخباراتية وميدانية تراكمت على مدى سنوات من العمل في الصفوف الأمامية، سواء في مناطق النزاع أو في مراكز التحليل والتخطيط الاستراتيجي. وبحكمة القائد الميداني ورؤية رجل الدولة، بدأ مشروعًا طموحًا لإعادة بناء جهاز الأمن من جديد.
خطى الفريق مفضل خطوات مدروسة لإعادة الثقة إلى الجهاز، ولملمة شتاته، واستنهاض قدراته البشرية والتقنية، في ظل واقع أمني شديد السيولة. وجاءت أولى اختبارات النجاح حين اندلعت الحرب الأخيرة، التي هددت بانهيار الدولة السودانية بالكامل، حيث أثبت الجهاز تحت قيادته حضوره الفاعل.
شارك الجهاز، بفعالية، في دعم القوات المسلحة السودانية على جبهات القتال، عبر تقديم معلومات استخباراتية دقيقة، والتنسيق العملياتي، والمشاركة المباشرة في معارك الدفاع عن مؤسسات الدولة الاستراتيجية، لا سيما في الخرطوم، وكرري، وشرق النيل، وأم درمان. وقد أظهر منسوبو الجهاز بطولات لافتة في الخطوط الأمامية، حتى أصبح الوسم الشهير “أمن يا جن” عنوانًا لتقدير الجمهور لأداء أفراد الجهاز، الذين واجهوا الموت بإرادة صلبة وإيمان وطني عميق رغم شح الموارد.
شهد الجهاز في عهد الفريق مفضل نقلة نوعية في بنيته الاستخبارية، إذ تم تطوير آليات جمع وتحليل المعلومات، وتفعيل وحدات التقدير الاستراتيجي، ما مكّنه من إحباط مؤامرات ومخططات تستهدف زعزعة استقرار البلاد، وتفكيك خلايا نائمة ذات ارتباطات خارجية.
كما أعاد تنشيط وحدات التحليل الاستراتيجي، التي كانت قد جُمّدت بفعل التدخلات الحزبية والإقصاء السياسي، لتعود وتلعب دورها المحوري في صناعة القرار الأمني والسياسي، ما منح الجهاز قدرة متقدمة على رصد التحولات قبل وقوعها والتفاعل معها في الوقت المناسب.
أدرك الفريق مفضل أن الأمن القومي السوداني لا يمكن صيانته بمعزل عن الفضاء الإقليمي والدولي. لذا، سعى بحكمة وواقعية إلى تعزيز التعاون الأمني مع دول كبرى ومحورية، فقاد بنفسه زيارات إلى موسكو، بكين، أديس أبابا، وأسمرا، أجرى خلالها مباحثات أمنية رفيعة، أسفرت عن توقيع مذكرات تفاهم شملت تبادل المعلومات والتدريب الفني والدعم اللوجستي.
وقد مكّنت هذه العلاقات الجهاز من امتلاك أدوات حديثة في مجال العمل الأمني، خاصة في ظل التحديات العابرة للحدود مثل الإرهاب، والاتجار بالبشر، والسلاح، وتداخل شبكات الجريمة المنظمة في المنطقة. وأصبحت هذه العلاقات أحد روافد صمود الدولة السودانية في وجه محاولات العزل السياسي والدبلوماسي
لم تكن التحديات داخلية فقط؛ بل كانت هناك محاور خارجية نشطة، تعمل على إضعاف السودان وتفكيك مؤسساته، وعلى رأسها دويلة الإمارات، التي لعبت دورًا تخريبيًا واضحًا في إذكاء نار الحرب، وزرع الفتنة، وتقديم الدعم اللوجستي والإعلامي والعسكري للفصائل المتمردة. إلا أن صمود الأجهزة الأمنية بقيادة الفريق مفضل، أفشل هذه المخططات، وحمى البلاد من الانهيار الكامل.
على الصعيد الداخلي، أطلق الفريق أحمد مفضل مشروعًا مؤسسيًا طموحًا لإعادة هيكلة الجهاز، بهدف استعادة المهنية، وتحييد التأثيرات السياسية، ورفع كفاءة العاملين. شمل المشروع:
تدريب الكوادر الشابة وفق أحدث المناهج.
اعتماد معايير موضوعية في التوظيف والترقية.
إعادة الاعتبار لضباط ذوي كفاءة تم تهميشهم سابقًا.
تطوير آليات الرقابة والمتابعة لضمان الشفافية والانضباط.
كما ركّز على ملفات الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب الدولي، فأنشأ وحدات متخصصة قادرة على مجابهة التهديدات الحديثة، مستخدمًا في ذلك تقنيات متقدمة وشراكات دولية.
في ظل واقع إقليمي ودولي متغير، وداخل ساحة وطنية تعصف بها رياح التفكك، أثبت الفريق أحمد مفضل أنه رجل دولة من الطراز الرفيع، قادر على إدارة الملفات المعقدة، وصناعة التوازن، وإعادة تشكيل المؤسسة الأمنية لتكون في مستوى التحديات.
لقد تحوّل الجهاز، تحت قيادته، من مؤسسة مفككة إلى ركيزة أمنية فاعلة، تلعب دورًا محوريًا في حماية الدولة السودانية من الانهيار. ولعل أبرز ما يميز الفريق مفضل هو مزجه بين المدرسة الكلاسيكية للاستخبارات ومتطلبات الأمن الوطني الحديث، مع جرأة محسوبة في اتخاذ القرار، ووعي استراتيجي عميق بخرائط الصراع.
إن المطالبة باستمرار الفريق أحمد إبراهيم مفضل في قيادة جهاز الأمن والمخابرات العامة، ليست مسألة مكافأة شخصية، ولا مطلبًا سياسيًا فئويًا؛ بل هي ضرورة وطنية تمليها مقتضيات المرحلة. فالرجل لا يمثل مجرد قيادة أمنية، بل تجسيدًا لفكرة الدولة الصامدة، في وجه العواصف الداخلية والخارجية.
أما أولئك الذين يسعون إلى تشويه صورته أو عرقلة مسيرته، بدوافع انتقامية أو مصالح ضيقة، فإن التاريخ وحده كفيل بفرز الصفوف، وكشف من كان في صف الوطن، ومن باعه بأوهام السلطة والارتهان للخارج.

